فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 489

زل قيل حكم، وإن أخطأ قيل أصاب، وإن هذى في كلامه وهو يقظان، قيل رؤيا صادقة من نسمة مباركة. قال: فهذا دليل أن الطلاح أجدى من الصلاح، وأن الفضل قد مض زمانه، وعفت آثاره، وصارت الدائرة عليه، كما كانت الدائرة على ضده ووجدنا العقل يشقى به قرينه، كما أن الجهل والحمق يحظى به خديته، ووجدنا الشعر ناطقًا على الزمان ومعربًا عن الأيام حيث يقول:

تحامق مع الحمق إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالجهل فعل أخي الجهل

وخلط إذا لاقيت يومًا مخلطًا ... يخلط في قول صحيح وفي هزل

فإني رأيت المرء يشقى بعلقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل

قال: فوالله ما عذبت أمة برجفة ولا ريح ولا سخطة، عذاب عيني برؤية المغايظة المدمنة، والأخبار المهلكة، كأن الزمان يوكل بعذابي، فما عيش من لا يسر بأخ شفيق، ولا يصطبح في أول نهاره إلا برؤية من يكرهه ويغمه.

وهذه هي الناحية العابسة في نفس الجاحظ المرحة، رأيته هنا يذكر ما يحيط به من المكدرات والمضنيات حتى ليسيء ظنه بالصلاح، ويفضل عليه الطلاح، شأن المتشائمين والسوداويين. ونفس عمرت كثيرًا، واختلفت عليها الأحوال قبضًا وبسطًا، وخفضًا ورفعًا، من مثل نفس الجاحظ لا تكون على حالة واحدة من الاسترسال والانقباض طول العمر: رأى من الخلفاء أشكالًا، ومن الأمراء والوزراء والعلماء طبقات بعد طبقات، ومن أبناء المجتمع من لا يحصيهم غير خالقهم، ومن ضروب الأخلاق ما لا تتسع لذكره الأوراق، وليس من شأن الدهر أن يثبت على حالة واحدة حتى يفسح للجاحظ أن يعيش قرنًا على وتيرة واحدة؛ وهو القائل لما مسخ الإنسان قردًا أنزل فيه مشابه من الإنسان، ولما مسخ زماننا لم ينزل فيه مشابه من الأزمان. وأنشد:

وكان لنا أصدقاء مضوا ... تفانوا جميعًا وما خلدوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت