إلا من استحوذ عليه الشيطان، واستولى عليه الخذلان، وقاده الحين إلى موارد الهلكة.
وله تحميد إلى الولاة عن الخليفة: أما بعد فالحمد لله ذي المنن الظاهرة. والحجج القاهرة، الذي قطع بينه وبين عباده المعذرة، ورادف عليهم البينة، ومهلة النظرة، وجعل ما آتاهم من حظوظ الدنيا بالقسم المكتوب، وما ذخر لهم من ثواب الآخرة بالنجح المطلوب، فهم في العاجلة شركاء في النعمة، وفي الآجلة شتى في الرحمة، يختص بها أهله، المنتفعين بما ضرب لهم من الأمثال، وتصريف الحال بعد حال. المبادرين بأعمالهم إلى انقضاء مدد آجالهم، قبل حلول ما يتوقع، وفوت مالا يرتجح.
سمع أحمد لأخيه شعرًا قد كتب به إلى هوي له:
أيا باذلا ودًا لمن لا يشاكله ... يساعده في حبه ويواصله
عليك بمن يرضى لك الناس وده ... أواخره محمودة وأوائله
فكتب إليه أحمد: وفقك الله يا أخي للسداد، وهداك للرشاد، قرأت لك شعرًا أنقذته إلي من تخطب مودته، وتستدعي عشرته، فسرني شغفك بالأدب، وساءني اضطرابك في الشعر، وليس مثلك من أخرج من يده شيئًا يعود بعيب عليه، وأعيذك بالله بأن تلج لجة الشعر بلا عوم ينجيك منها، وسباحة تصدرك عنها، فتنسب إلى قبيح أمرًا هويت النسبة إلى حسنه، فاعرف الشعر قبل قوله، واستعن على عمله بأهله، ثم قل منه ما أحببت، إذا عرفت ما أوردت وأصدرت، وهذه أبيات على وزن أبياتك نظمتها بمثل ما نثرته لك وهي:
أبا حسن عان الدراية قبل ما ... تريغ من الشعر الذي أنت قائله
ففي الشعر آداب كثير فتونها ... وباطل لهو أن تعناك باطله
وحسبك عجزًا بامرئ متغزل ... إذا عي بالأمثال فيمن يواصله