فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 489

وجبال تعلى، وبحار تحرق، فقلت: هل تجد عليه في شيء أو يجد عليك في شيء؟ فقال: وجدي به في الأول، قد حجبني عن موجدتي عليه في الثاني، على أنه يكتفي مني فيما خالف هواي باللمحة الضئيلة، وأكتفي أنا أيضًا منه مثل بالإشارة القليلة، وربما تعاتبنا على حال تعرض على طريق الكناية عن غيرنا، كأننا، نتحدث عن قوم آخرين، ويكون لنا في ذاك مقنع، وإليه مفزغ؛ وقلما تجتمع إلا ويحدثني عني بأسرار ما سافرت عن ضميري إلى شفتي، ولا ندت عن صدري إلى لفظي، وذاك للصفاء الذي نتساهمه، والوفاء الذي نتقاسمه، والباطن الذي نتفق عليه، والظاهر الذي نرجع إليه والأصل الذي رسوخنا فيه، والفرع الذي تشبثنا به، والله ما يسرني بصداقته حمر النعم ولا أجد بها حياتي ما أجد بحياتي لي، وإذا كنت أعشق الحياة لأني بها أحيا، كذلك أعشق كل ما وصل الحياة يالحياة، وجنى لي ثمرتها، وجلب لي روحها، وخلط بي طيبها وحلاوتها.

وكان أبو سليمان يحدثني عن ابن سيار بعجائب، وأما فما عرفته إلا قاضيًا جليلا صاحب جد وتفخيم، وتوقير وتعظيم، وكان مع ذلك بسيط اللسان شريف اللفظ، واسع التصرف، لطيف المعاني، بعيد المرامي، يذهب مذهب أبي حنيفة.

ثم قال أبو سليمان: الصداقة التي بين الرغبة والرهبة، شديدة الاستحالة، وصاحبها من صاحبه في غرور، والزلة فيها غير مأمونة، وكسرها غير مجبور، قال: فإما الملوك فقد جلوا عن الصداقة، ولذلك لا تصح لهم أحكامها، ولا توفي بوعودها، وأنما أمورهم جارية على القدرة والقهر والهوى والشاهق والاستحلاء والاستخفاف، وأما خدمه وأولياؤهم فعلى غاية الشبه به، ونهاية المشاكل لهم لانتشابهم بهم، وانتسابهم أليهم، وولوع طورهم بما يصدر عنهم، ويرد عليهم. وأما الثناء وأصحاب الضياع فليسوا من هذا الحديث في عير ولا نفير. وأما التجار فكسب الدوانيق سد بينها وبين كل مروءة، وحاجز لهم عن كل ما يتعلق بالفتوة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت