شامت، أو منافق أو مؤذ، أو منابد أو معاند، أو مزل أو مضل أو مغل. وقد قال الأوائل الإنسان مدني بالطبع، وبيان هذا أنه لا بد له من الإعانة والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحة، ولا يستقل بجميع حوائجه، وهذا ظاهر، وإذا كان مدنيًا بالطبع كما قيل، فالواجب ما يعرض في أضعاف ذلك من الأخذ والعطاء، والمجاورة والمحاورة، والمخالطة والمعاشرة، ما يكون سببًا لنظام الحال، أو يكون سببًا لانتشار الأمر، ولا محالة أن هذه وأشباهها مفضية بالناس إلى جملة ما نعته هؤلاء الذين روينا نظمهم ونثرهم، وكتبنا جورهم وإنصافهم، وذلك أعلى فنون ما قالوه، وعيون ما ذكروه ونشروه، ونروي في هذا الموضع بقية أبيات وإن عن شيء حكيناه، ونغلق الرسالة فإنها إذا طالت أبغضت، وإذا أبغضت هجرت اه.
وهذا النموذج الذي أوردناه من الصداقة والصديق كاف في الحكم على أسلوبه والروح الذي ينزع في تأليفه. وملاحظة التوحيدي على ائتلاف المتضادين في العلم، والتمثيل بصداقة أستاذه أبي سليمان المنطقي وصديقه ابن سيار القاضي، ووصف أبي سليمان وصفًا دقيقًا للصلات التي عقدت بين قلبهما، ثم إبداعه في وصف طبقات الأصدقاء، كل ذلك من جميل الوصف، وإلى اليوم ما اختل هذا التقسيم، وإن رأيت الوفاء والصداقة ففي النادر الشاذ. ومن أبدع الصفحات وصف غربته في أمته، غربة الفكر والاجتماع والنحلة والخلق والعادة. ولا بدع فهو من جيد الوصف في نفسية أهل عصره، ومنزلة العالم بين جمهور الغاغة. ومن أجمل الأعذار اعتذاره عن طول هذه الرسالة علمًا منه أن مكانه الكتاب بمادته لا بسعته، ولكن إذا قضت الحال بالتطويل، اضطر المؤلف إلى إطلاق عنان بيانه.
وفي كتاب الصداقة والصديق مثال من مجالسهم وهو قوله: رأيت ابن سعدان ينشد يومًا وقد أنكر شيئًا من بعض الندماء:
عد راح في ثوب الصديق ... شربك في الصبوح وفي الغبوق