فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 489

لا تعرفون النفيس من الخسيس.

نشأ الجاحظ من أبوين فقيرين، قيل أنه رؤي بيسحان أحد أنهار البصرة يبيع الخبر والسمك في صباه، وقيل إن أمه كانت تمونه في حداثته، فجاءته يومًا بطبق عليه كراريس، فقال: ما هذا؟ قالت: هذا الذي تجيء به. فخرج مغتمًا وجلس في الجامع، ويونس بن عمران جالس، فلما رآه مغتمًا قال له: ما شأنك؟ فحدثه الحديث، فأدخله المنزل، وقّرب إليه الطعام، وأعطاه خمسين دينارًا، فدخل السوق واشترى الدقيق وغيره، وحمله الحمالون إلى داره، فأنكرت الأم ذلك: قالت: من أين لك هذا؟ قال: من الكراريس التي قدمتها إليّ.

وظل رزق الجاحظ غيبيًا في شبابه، واتسع في الكهول عقبى تأليفه كتاب العباسية للمأمون، وعلى عهده تصدر في ديوان الرسائل ببغداد ثلاثة أيام، ثم استعفى فأعفي؛ وكان سهل بن هارون يقول: إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان أفل نجم الكتاب. واتصل بابن الزيات الوزير على عهد المعتصم فأقطعه أربعمائة جَرِيت؛ وكتب إليه مرة زمن المتوكل إن أمير المؤمنين يَجِد بك، لحال بينك وبين بُعدك عن مجالسه، ولغصبك رأيك وتدبيرك فيما أنت مشغول به ومتوفر عليه ثم حثه على الفراغ من كتاب الرّد على النصارى والتعجيل به إليه، وقال: وتنال مشاهرتك، وقد استطلقه لما مضى، واستسلفه لك، لسنة كاملة مستقبلية.

والظاهر أن أداء الرواتب كان يتأخر في بعض الأيام، حتى قال الجاحظ في أبي الفرج نجاح بن سلمة الكاتب - وكان على الأموال زمن الواثق والمتوكل، وإليه أهدي رسالته في امتحان عقول الأولياء ورسالته في الكَرم - هذه القصيدة:

أقام بدار الحفص راضٍ بخفضه ... وذو الحزم يسري حين لا أحد يسري

يظّن الرّضا شيئًا مُهَونًا ... ودون الرضى كأس أمرّ من الصبر

سواء على الأيام صاحب حنكة ... وآخر كابٍ لا يريش ولا يبري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت