ثم هو ليس ممن يرغب في الخطب التي يزول أثرها بزوال مؤثراتها، ولا يتعدي نفعها حدود أوقاتها، ويتعشق الكتب لأنها موضع تبصر وتدبر، لا يتناولها ما يتناول الخطب من تأويل وتحريف وزيادة ونقص. وأثبت الجاحظ في هذا المنحي أيضًا أنه جانب عظيم من الدهاء، أثبت أنه لو اعتمد في تهذيب الناس على محاضراته ومسامراته في مجالسه ودروسه فقط، لضاع على الناس علم كثير، واستهلك ذلك وقتًا ود لو صرفه في التأليف الخالد، ثم لا يجد إليه المشاغبون طريقًا يلجونه لمناقشه ومراوغته، فيضطر إلى إجابتهم وصرف الذهن عبثًا في حوارهم؛ ومن خلقوا للجدال في الحق والباطل لا يزحزحهم عما هم فيه برهان، وهل يرض العدو من عدوه غير إهلاكه أو زوال نعمته؟
من أجل هذا تملص الجاحظ من إجابة من تقدم إليه أن يحدثه قائلًا له: إنه ليس حشويًا، ذلك لأن الجاحظ الحذر اليقظ لا يرضيه أن يستخدم أحد اسمه، مدعيًا أنه نقل عنه حديثًا قد يحرفه، أو يعبث به على هواه، ولذا قطع على الطالب حديثه وتبرأ من الحشوية، والحشوية هم الذين لا يدرون ما يرون، ولا ما يصححون من أحاديث الرسول. وأخرى أنه كان ينوي بالدعوة إلى الاستكثار من اقتناء الكتب أن يظهر تدجيل الدجالين من الراوين والمؤلفين ليبدوا في أصح مظاهرهم، وتتبين للقاصي والداني أقدارهم، فيسقط المموهون، ويبقى المجودون، ممن تستحق مدوناتهم أن تبقى وتتناقل جيلًا فجيلًا.
والآن ننتقل إلى الصفحة الجاحظية الأخرى، صفحة الحسد والمحسود؛ فاستمعوا إليها من لسان أعرف الناس بطباع الناس، بل أعظم منشيٍْ، وأكبر عالم قام في القرن التاسع للميلاد كما وصفه أحد علماء الإفرنج، وهو جواب من سأله عن الحسد: لِمَ صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء، ولم كَثُر في الأقرباء، وقل في البعداء، وكيف دب في الصالحين، أكثر منه في الفاسقين، وكيف خص به الجيران