فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 489

تبصره بعينك، وإذا عرض للقبيح ينفرك منه أي نفور. ألا تعجب منه إذا تلوث فيه أسطرًا قليلة في وصف حال المغنية في عصره إذ يقول: وكيف تسلم القينة من الفتنة. أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تكتسب الأهواء، وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي إنما تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها، بما يصد عن ذكر اللّه من لهو الحديث، وصنوف اللعب والأخابيث، وبين الخلعاء والمجان، ومن لا يسمع منه كلمة جد، ولا يرجع إلى فقه ولا دين، ولا صيانة مروءة، وتروي الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت فصاعدًا، يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، عدد ما يدخل في ذلك من الشعر، إذا ضرب بعضه ببعض عشرة آلاف بيت، ليس فيها ذكر اللّه إلا عن غفلة، ولا ترهيب عن عقاب ولا ترغيب في ثواب، وإنما بنيت كلها على ذكر الزنا والقيادة، والعشق والصبوة، والشوق والغلمة، ثم لا تنفك من الدراسة لصناعتها، منكبة عليها، تأخذ من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش، وإنشادهم مراودة، وهي مضطرة إلى ذلك في صناعتها، لأنها إن جفتها تفلتت، وإن أهملتها نقصت، وإن لم تستفد منها وقفت، وكل واقف فإلى نقصان أقرب، وإنما فرق ما بين أصحاب الصناعات، وبين من لا يحسنها التزيد فيها، والمواظبة عليها، فهي لو أرادت الهدى لم تعرفه، ولو بلغت العفة لم تقدر عليها. وإن ثبتت حجة أبي الهذيل فيما يجب على المتفكر زال عنها خاصة، لأن فكرها وقلبها ولسانها وبدنها مشاغيل بما هي فيه، وعلى حسب ما اجتمع عليها من ذلك في نفسها لمن بلي بمجالستها عليه وعليها.

ألست تتلمس في مفردات هذا الكلام ومركباته فن الجاحظ، تأمل قوله: إن جفتها تفلتت وإن أهملتها نقصت وقوله: تأخذ عن المطارحين الذين طرحهم كله تجميش وإنشادهم مراودة وقوله: وكل واقف فإلى نقصان أقرب، ونحن إذا أكثرنا من إيراد الشواهد من أقوال أبي عثمان، فلذلك لنخرج منها بدليل حسي نسقط به حجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت