فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 489

والأدب في أيامه أحسن صورة. وتنكرت النفوس لمشربه وأنكره كثيرون حسدًا ولؤمًا، وما مثله بالذي يكون نكرة. ذلك لأنه قال الحق ولم يزل قائله من المقوتين كما قال المعري.

كان التوحيدي على ما يظهر من كلامه، من أهل الباطن أي الصوفية، ومن أهل الظاهر أي الدينيين الحكماء، جمع بين مذهب الصوفية أمثال المحاسبي والتستري والجنيد والسري السقطي وإبراهيم بن أدهم وغيرهم من النساك أو الصوفية، وبين مذهب السجستاني والزنجاني والمهرجاني والصميري والمقدسي والمجتبى وابن زرعة وابن سوار وابن رفاعة في الحكمة. وقد شهدت له كتبه بأنه متصوف، وشهدت له بأنه فيلسوف، وأنه جمع بين العلوم المادية والعلوم المعادية، ووفى في كل علم قسطه من النظر. وليست له طريقة خاصة في التصوف، ولا مذهب معروف في الفلسفة، بل إنه أحاط بجميع الطرق، وحنى عليها، وطابت نفسه بعشرة أهل ثقتها والأخذ عنهم. وقد تجلت شخصيته العلمية بما نقله من المباحثات والمناقشات المدونة بعامل الجرأة على كسر القيود التي قيدت أهل كل مذهب من مذاهب العلم الديني أو الفلسفي، وبد كل ذلك في مظهر غريب بأسلوب إنشائه، وما غفلة المؤرخين أو تغافلهم عن الترجمة للتوحيدي، مع هذه البسطة في العلم الواسع، والبيان الرائع، إلا بسبب أخلاقه على ما يظهر، فغمطوه بذلك حقه، لكن الفضل لا يستر بحجاب، والعقل لا يخفى على ذوي الألباب.

وظهر أن أبا حيان كان مقترًا عليه في الرزق، وأنه ربما كان يعيش بالوراقة أو النسخ في بغداد مدة طويلة - وكانت الوراقة في القديم خير معون لإخراج العلماء والأدباء - ولم يل التوحيدي أمرًا من أمور الدولة، ويستحيل على من كان في مثل علمه واستغراقه في دفاتره، أن يتقلد الأعمال، فإذا لم تكن له إدرارات من السلطان أو الخليفة يعيش بها يبرّح به العوز والإملاق. وهكذا كان شأن بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت