ذكر شعر الكتاب بحضرة إبراهيم بن العباس فقال: أشعرهم عندي الذي مزحه أفصح وأحسن من جد الناس. وكان يقول: ما تمنيت كلام أحد أن يكون لي إلا قول عبد الحميد بن يحيى: الناس أصناف متباينون، وأطوار متفاوتون، منهم علق مضنة لا يباع، ومنهم غل مظنة لا يبتاع.
ولعل أعظم سبب في توفيقه وتفوقه زهده في الغريب من اللفظ، وتشبثه بأهداب المعنى أكثر من كل شيء، واعتداده بعفو القريحة ووحي الساعة. قال أبو الغيث: كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتابًا، فنقطت من القلم نقطة مفسدة، فمسحها بكمه، فعجبت فقال لا تعجب، المال فرع والقلم أصل. ومن هذا السواد جاءت هذه الثياب، والأصل أحوج إلى المراعاة من الفرع، ثم فكر قليلًا وقال:
إذا ما الفكر ولد حسن لفظ ... وأسلمه الوجود إلى العيان
ووشاه ونمنمه بيان ... فصيح في المقال بلا لسان
ترى حلل البيان منشّرات ... تضحك بينها صور المعاني
وكان يقول: المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من منشئه.
وقال: الكتب موات، ما لم يوقع فيها توقيع الختم وتختم، فإذا فعل ذلك بها عاشت. وقال لغلام كان يكتب بين يديه: ليكن قلمك صلبًا بين الدقة والغلظ، ولا تبره عند عقده، ولا تجعلن في أنبوبة، ولا تكتبن بقلم ملتوٍ، ولا بذي شق غير مستو، واختر من الأقلام ما يضرب إلى السمرة، وأحد سكينك ولا تستعملها لغير قلمك، وتعهده بالإصلاح يصلح، وليكن مقطعك صلبًا ليمضي الخط مستويًا لا مستطيلًا، وابر قلمك بين التحريف والاستواء، وإذا كتبت الدقيق فأمل قلمك إلى إقامة الحروف لإشباع الخط، وإذا جللت فإلى التحريف، واعلم أن تبطين القلم شؤم، وتحريفه حرن، وهما دمار الخط، واعلم أن وزن الخط مثل وزن القراءة، فأجود الخط أبينه كما أن أحمد القراءة أبينها.