ومما يدل على نفع الكتاب أنه لو لا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة، وما يحدث بالكوفة في بياض يوم، حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة، فتعلم بها أهل البصرة قبل المساء.
أملى الجاحظ هذه عن الفقرات في عصر الناس يؤثرون فيه السماع من المشايخ، والأخذ عن الرواة، على مطالعة الأسفار، والمنافسة في دواوين العلم، لا يحفلون بالتقييد والتسجيل كثيرًا، ويرون على الدوام الأخذ من الأفواه، فوجه أفكار أمته وجهة أخرى مستديمة مستقرة، أتاها يرغبها في الكتاب ليكون للناظر فيه كل ساعة ما يستقي من معينة، نصح لقومه أن يتناغوا في اقتناء الأسفار، ويتباروا في الاعتماد على ما تدخره من الدرر الغوالي، وبذلك ينشط المؤلفون إلى وضع كتبهم ومصنفاتهم، وتبقى لمن يتلوها أصح مرجع عل الأيام.
وبعد فهل رأيتم دخول الجاحظ على نفوس المتعلمين، أو من يطمع في تثقيفهم من العالمين، عندما قال لهم إن الكتاب يمنح صاحبه تعظيم العوام وصداقة الملوك؛ وأن من حضر دروس الفقهاء لا يحصل من العلم على طائل، إلا إذا درس كتب أبي حنيفة وغيره، فأصبح بما استظهر قاضيًا أو حاكمًا قي أحد الأمصار. وبعد أن أفاض، في ضروب من الأقوال التي تفعل في النفوس، ونقل ما قاله من تقدموه في هذا الباب، باغت القارئ فضربه في الوتر الحساس، وهو طلب المال والجاه بالكتاب، والنفوس تصبو من طبعها إلى بلوغ هذه المراتب؛ وما دامت المسألة لا تحتمل أكثر من النظر في صفحات معدودة، ويفتح الكنز المرصود لطالب السعادة، فجمهرة المقبلين على الأخذ من الأسفار، ستزيد يومًا بعد يوم.
وهذا منزع آخر من منازع الجاحظ في الإصلاح والتمدين، يحاول أن يصل منه إلى غاية معينة، وبضربه على نغمة المادية يستهوي قلوب العالم. ما هو بالغافل عن ضعقهم، وأنهم عبيد الدنيا مهما تقلبوا زمانًا ومكانًا، فخاطبهم بما يقربهم إليه.