فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 489

الجوهرة الواحدة لنفسها؛ والبلاغة كما قال أرسطاطاليس أن تجعل في المعنى الكثير كلاما قليلًا، وفي القليل كلامًا كثيرًا، وهذه البلاغة الموجزة يلمسها المرء في كلام هذا الذي فتن نظراءه بفنه.

لا تجد في كلام عمرو شيئًا من الوحشّي ولا السوقيّ، فألفاظه تتفهمها عامة طبقات القارئين والسامعين؛ أما تركيبه ونسجه فهو أيسر تركيب يجري مع الطبع، كأنه في إيراده يتكلم كلامه المعتاد معربًا ويسطره في الورق، نعم وهناك صعوبة في تحديه في جوامع كلمه، الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة قد تنتقل في الأيدي ويعجب بها ناظروها، ويفاخر بها تزيد بهاءً ورواءً، ويتجلى فيها فكر الآفق المفنن، فالسبك الحسن في كلام عمرو هو الذي تفرد فيه، ولما رأى أنه أبدع فنه زاد في تجويده، لانقطاعه معظم حياته إلى الخدمة، والسياسي من جملة خصائصه أن يوجز ويجمجم أحيانًا، ويعرّض لئلا يؤخذ بإقراره وتؤول له عبارته، وعمرو نبغ في هذه الطريقة.

ذكر المترجمون له أنه كان له فرس أدهم أغر، لم يكن لأحد مثله فراهةً وحسنًا، فبلغ المأمون خبره وبلغ عمرو بن مسعدة ذلك، فخاف أن يأمر بقوده إليه فلا يكون له فيه محمدة، فوجه به إليه هدية وكتب معه:

يا إمامًا لا يدا ... نيه إذا عد إمام

فضل الناس كما يف ... ضل نقصانًا تمام

قد بعثنا بجواد ... مثله ليس يرام

فرس يزهى به لل ... حسن سرج ولجام

دونه الخيل كما دو ... نك في الفضل الأنام

وجهه صبح ولكن ... سائر الجسم ظلام

والذي يصلح للمو ... لى على العبد حرام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت