فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 489

عصر وقطر كالأرض البقعة نباتها متقطع، أو كالواحات المتفرقة في المهمة القفر، يختلف شكلها باختلاف البقعة التي نشأت فيها، وتلبس ثوبًا فصل على عقل صاحب السلطان الأكبر، وكثرة بلائه وغنائه. وقلما عهد أن سار الابن بسير أبيه وجده إلا على عهد أوائل العباسيين، وفي بعض دور الأمويين في الشرق، والأمويين في الأندلس وما عدا ذلك فأفراد من أصحاب السلطان زانوا عصورهم بهممهم فأحالوا القفار جنانًا، وجعلوا من العلم لسلطانهم سلطانًا، حتى إذا مضوا لسبيلهم عادت الأمة سيرتها الأولى، تثبت أن الأمية أعلق بشغاف قلبها، لا سيما وأكثر الزعماء يعتقدون أن الراحة في ترك العقول جامدة خامدة، حتى لا يرتفع عقل عن عقل، ولا يمتاز فاضل بعموم الفضل.

فالرجل الذي لم يأبه لما اعترضه من العقبات، ومزق حجب الوهم وحكم سلطان العقل، واستعرض ما جادت به قرائح أعاظم الملة في القرون الثلاثة قبله، وكتب العلوم الحكمية بهذا البيان الرائق، تسيغه وتستطيبه على كدورة في شرعته أحيانًا - الرجل الذي كان كذلك حاله يعد النابغة المجتهد حقًا وصدقًا، ويعد جديدًا مجدًا في فكره وبيانه.

كتب التوحيدي فأكثر الكتابة، ومع هذا فإنشاؤها طبقة واحدة لم يتعمل فيما يكتب، ولا عني بالتنميق والتحبير، والصقل والتطرية. وكان هدفه إبلاغ العقول، ما يجول في الخواطر، من أقصر الطرق، وأسهل المسالك تارة، ومن أطولها تارة أخرى. اختص بوصف لآراء المفكرين والنظار، على وجه لم يؤثر عن غيره، حاشا الجاحظ واضع هذه الطريقة، فكأنه تلقى باليمين ذاك الأسلوب الذي يموت بموت الجاحظ، وأتمه بما حدث بعد أبي عثمان من فنون القول، وضروب المعارف. ولو كان روح التوحيدي غير معذب بالإخفاق والإملاق، كروح الجاحظ الشفاف البراق، وسلم مما يكدر صفوه وصفاءه، واطمأن بما تطمئن به روح من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت