فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 489

والتخمين، وما ألفته العادة وأتى من العُرف - كأنه قرأ الجاحظ وعرف فلسفته في هذا الشأن، ونغمتهما في هذا المعنى متشابهة، كأن الواحدة متممة للأخرى، أو الأخرى أخذت عن الأولى.

وكأن الجاحظ وهو يدعوك إلى الاستنباط لا إلى الحفظ والاستظهار يقول برأي أحدث علماء التربية من أهل الحضارة اليوم، وعبارته: وكرهت الحكماء الرؤساء أصحاب الاستنباط والتفكير جودة الحفظ لمكان الاتكال عليه، وإغفال العقل من التمييز، حتى قالوا الحفظ عذق الذهن لأن مستعمل الحفظ لا يمون إلا مقلدًا، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين، وعز الثقة، والقضية الصحيحة، والحكم المحمود، أنه متى أدام الحفظ أضر ذلك الاستنباط، ومتى أدام الاستنباط ذلك بالحفظ.

الجاحظ يردم المنافذ التي تتسرب منها الجهالات، وينحى على من يظلل الناس، ويبيع منهم سلعًا فاسدة. وقد بلغ من حريته في البحث، وغيرته على العلم، وبعد نظره في المسائل، وجودة قياسه على العارض، والخاطر السابق الذي لا يوثق بمثله، وأنه كان يظن الظن ثم يقيس عليه، وينسى أن بدءَ أمره كان ظنًا، فإذا أتقن ذلك وأيقن جزم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه. وقال مرة في شيخه الآخر أبي عبيدة: ولو لا أن أكون عيابًا ثم للعلماء خاصة، لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة. ويلوم من ينقلون الأخبار بدون نقد، وممن لامهم على ذلك، أبو زيد الأنصاري، وثقه من جهة وأنكر عليه من أخرى تساهله في التعليق على الروايات المدخولة. فهو يرى العلم وصحة النظر فوق كل اعتبار، ولا كبير عنده أمام النقد، وفي ميدان الجدال وإحقاق الحق، قال في رجل نظر بعض النظر تصويب العلماء لبعض الشكاك حتى زعم أن الأمور كلها يعرف حقها وباطلها بالأغلب إنه مات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت