أبي حيان، وقد لا يجد المدافع معذرة يعتذر بها عنه. ومنزع التوحيدي واحد وهو ما قاله في آخر كتاب أخلاق الوزيرين ولكن النقص ممن يدعي التمام أشنع، والحرمان من السعيد المأمون فاقرة، والجهل من العالم منكر، والكبيرة ممن يدعى العصمة جائحة، والبخل ممن يتبرأ منه بدعواه عجيب. ومن الإنصاف أن نقول إن التوحيدي أجاد كل الإجادة في التعريف بالرجال، ووقفنا على نفسياتهم ونزائعهم، وليس هذا بالأمر السهل.
ومن كتاب الإمتاع: سأل الوزير صمصام الدولة أبا حيان التوحيدي في حدود سنة 372 عن إخوان الصفاء بقوله: إني لا أزال أسمع من زيد ابن رفاعة قولًا يريبني، ومذهبًا لا عهد لي به، وكناية عما لا أحققه، وإشارة إلى ما لا يتوضح شئ منه، يذكر الحروف ويذكر النقط، ويزعم أن الباء لم تنقط من تحت واحدة إلا لسبب، والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة، والألف لم تعجم إلا لغرض وأشباه هذا؛ وأشهد منه في غرض ذلك دعوى يتعاظم بها، وينتفخ بذكرها، فما حديثه وما شأنه وما دخلته؟ فقد بلغني يا أبا حيان انك تغشاه وتجلس غليه، وتكثر عنده، ولك معه نوادر معجبة؛ ومن طالت عشرته لإنسان صدقت خبرتهن وأمكن اطلاعه على مستكن رأيه، وخافي مذهبه. فقلت: أيها الوزير، أنت الذي تعرفه قبلي قديمًا وحديثًا بالاختيار والاستخدام، وله منك الإمرة القديمة، والنسبة المعروفة. فقال: دع هذا وصفه لي. فقلت: هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ومتسع في قول النظم والنثر، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة، وحفظ أيام الناس، وسماع المقالات، وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف في كل فن، إما بالشدو الموهم، وإما بالتوسط المفهم، وإما بالتناهي المفحم. قال: فعلى هذا ما مذهبه؟ قلت: لا ينسب إلى شيء، ولا يعرف برهط، لجيشانه بكل شيء، وغليانه بكل باب، ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه، وسطوته بلسانه، وقد أقام بالبصرة زمنًا