بقي علينا أن نختار قطعًا من رسائله مطولاتها ومختصراتها، ومن المطولات نأخذ من رسالته في الصحابة، صحابة الخليفة وأقرانه؛ ومن المختصرات نقتبس رسائل مفردة.
فمما قال في الأولى في إصلاح جند الدولة وهو أول ما يسترعي نظر صاحبها فمن الأمور التي يذكر بها أمير المؤمنين، أمتع الله به أمر هذا الجند، من أهل خراسان، فإنهم جند لم يدرك مثلهم في الإسلام، وفيهم مَنَعة بها يتم فضلهم إن شاء الله. أما هم فأهل بصر بالطاعة، وفضل عند الناس، وعفاف نفوس وفروج، وكف عن الفساد، وذل للولاة، فهذه حال لا نعلمها توجد عند أحد غيرهم. أما ما يحتاجون فيه إلى المنعة من ذلك تقويم أيديهم ورأيهم وكلامهم، فإن في ذلك اليوم اختلاطًا من رأس مفرط غال، وتابع متحير شاك، ومن كان إنما يصول على الناس بقوم لا يعرف منهم الموافقة في الرأي والقول والسيرة، فهو كراكب الأسد الذي يوجل من رآه والراكب أشد وجلًا. فلو أن أمير المؤمنين كتب لهم أمانًا معروفًا بليغًا وجيزًا محيطًا بكل شئ يجب أن يقول فيه، ويكفوا عنه، بالغًا في الحجة، قاصرًا عن الغلو، يحفظه رؤساؤهم، حتى يقود به دماءَهم، ويتعهد به منهم من لا يؤبه له من عُرض الناس، لكان ذلك إن شاء الله لرأيهم صلاحا، وعلى من سواهم حجة، وعند الله عذرًا.
يريد أن يضع الخليفة لجيش خراسان قانونًا يعمل به قواده وجنده حتى لا تكون في الأمور فيه فوضى، ويربي تربية عسكرية يكون معها صاحب الأمر على ثقة من بلائه كل حين. ومما قال بعد ذلك: ومما ينظر فيه لصلاح هذا الجند إلا يولي أحدًا منهم من الخراج، فإن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة.
وهذا رأي ابن المقفع في هذه الرسالة أيضًا في فوضى الأحكام. قال: ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي