هذا كشف لنا بعض الغطاء عن تناهيه في إبداعه وفنه.
وقد أفصح عن صنعته بقوله: ومتى اتكل صاحب البلاغة على الهوينا والوكال، وعلى السرقة والاحتيال، لم ينل طائلًا، وشق عليه النزوع، واستولى عليه الهوان، واستهلكه سوء العادة. والوجه الضار أن يحفظ ألفاظًا بعينها من كتاب بعينه، أو من لفظ رجل، ثم يود أن يعد لتلك الألفاظ قسمها من المعاني، فهذا لا يكون إلا بخيلًا فقيرًا، وخائفًا سروقًا، ولا يكون إلا مستكرهًا لألفاظه، متكلفًا لمعانيه، مضطرب التأليف، متقطع النظام، فإذا مر كلامه بنقاد الألفاظ وجهابذة المعاني استخفوا عقله، وبهرجوا علمه. ثم اعلم أن الاستكراه في كل شيء سمج، وحيث ما وقع فهو مذموم، وهو في الظرف أسمج، وفي البلاغة أقبح، وما أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من فمه، مسرودة في نفسه، ولم تكن مخلدة في كتبه، وخير الكتب ما إذا أعدت النظر فيه زادك في حسنه. ومعنى قوله هذا أن خير الكتاب، من لم يستظهر ألفاظًا بعينها، ليكرهها على الاندماج في تراكيبه، ومن لا يستعمل من الألفاظ إلا السهل، حتى يحوز رضا النقاد، وأن يجعل تصفحه لدواوين المعاني لا للدواوين الألفاظ وشر البلغاء من هيأ رسم المعنى قبل أن يهيئ المعنى عشقًا للفظ الذي يريد إقحامه. ولعل السبب في إنه لم يأت من اللغويين كتاب عظماء كونهم حصروا أذهانهم في الألفاظ، وما عبئوا بمواطن الاستعمال، ملئوا حافظتهم بالجيد والرديء، وعدوه كله من الجيد، لأنه كان من محفوظهم، فإذا جاءوا ينشئون استعملوا كل ما وجدوا أمامهم أو ذكروه، فقصروا في البيان، وانقطعوا عن اللحاق بالبلغاء. وفي نظره ليس الكتاب إلى شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه، حتى لا يحتاج السامع لما فيه إلى الروية، ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة والحشوة، ويحطه من غريب الأعراب ووحشي الكلام، وليس له أن يهذبه جدًا، ويتقحه ويصفيه ويروقه، حتى لا ينطق إلا بلب