أحسن أحوالها، فإن هذه الرسالة يتعلم منها صناعة الوزراء، وكيف تتلافى الممالك بعد تناهي فسادها. وما منعه من بسط العدل في ممالكه، وعمارة ما يدبره منها إلا أن صاحبه ركن الدولة، مع فضله على أقرانه من الديلم، كان على طريقة الجند المتغلبين، يتغنم ما يتعجل له، ولا يرى النظر في عواقب أمره، وعواقب أمور رعيته، وكان يفسح لجنده وعسكره على طريق مداراتهم ما لا يمكن أحدًا تلافيه وردهم عنه.
أتى مسكويه بوصف مخدومه في معرض المدح، والمعقول أن من يقتدر على إزالة الأذى ويسكت عن رفعه مؤاخذ في الشرائع. رأى ابن العميد السير على طريقة لينة، فيها التغاضي والتعامي، حتى لا يغضب الجند ولا يغضب سيده الملك، ولا يناله مكروه بسببهم، ولو أحسن بتخريبهم البلاد وظلمهم أهلها، فترك العائثين وشأنهم، يمني نفسه أن يأتيه الوقت الملائم فيحكم فيهم حكمه، وينقذ بلاده من أوصابها وأوبئتها الاجتماعية والإدارية، وسياسته هذه لا تنجو من اللوم في نظر أرباب الحزم من مدبري الممالك.
أدبه وعلمه:
عرفنا بما تقدم نوع الدراسة التي تعلقت بها همة ابن العميد، ووقفنا على صورة من نفسيته، والآن نعمد إلى تحليل هذا الضرب من الأدب الذي عرفه الناس به، وبه خلد ذكره في العالمين؛ قالوا إنه واضع طريقة الشعر المنثور، وإنه كان يلتزم السجع تارة ويطرحه أخرى، وهذا رأي ابن سنان فيه. قال إنه كان يترك السجع ويتجنبه، وطريقته استعماله مرة ورفضه أخرى، بحسب ما يوجد من السهولة والتيسير، أو الإكراه والتكلف. أما نحن فإن ما وصلنا من كتاباته يضطرنا إلى أن نحكم عليه حكمًا يخالف حكم ابن سنان ذلك لأنا رأيناه كان إلى التسجيع والمزاوجة أقرب. وما ندري أيضًا إن كان وصفه بخاتمة الكتاب ينطبق على