ارتفعت هذه الرسالة، وعلى أي حال تمت لتعجبت، وما كان يقل في عينك منها يكثر في نفسك، وما يصغر منها بنقدك يكبر بعقلك اه. . .
وفي الحق أن رسالته في الصداقة والصديق قد حملت من آراء الناس إلى عصره كل ما رق وراق من المنظوم والمنثور في موضوعه، ولم يقتصر في الرواية على حكماء الإسلاميين؛ بل تعدى إلى أيراد أقوال فلاسفة يونان. وفي الرسالة من رسائل الكتاب في هذا الباب، ما هو مفيد على غابر الأحقاب، وقد ذكر أبا سليمان المنطقي وأبا سعيد السيرافي غير مرة وروى عنهما ما دل على إعظامه لهما شأنه في مقابساته. ولا مراء في أن رسالة الصداقة والصديق، مرآة صادقة تمثلت فيها أفكار أربعة قرون في هذا النوع الصغير من الآداب، ولغة حوت مثل هذه الأفكار وهذه المعاني هي ولا شك أغنى اللغات بأدبها ووفرة مادتها وأداتها. وهذه الرسالة على ما رأيناها كتبها بباعث لقوم لم يفهموا مقصده من العلم، وتأولوا كلامه فجبههم بما كتب وأجاد. وجميع كتبه على ما ظهر مما دعا إلى وضعه دواع حافزة، وأمور جاش بها صدره، فهي معمولة بالمناسبات لا متعملة، ولذلك جاءت عليها هذه الطلاوة التي نحسها ونلمسها.
من جملة كتب أبي حيان كتاب المقابسات، واسمه صيغة تفاعل من قبسته أو أقبسته علمًا وخبرًا أي أن كلا أقبس صاحبه علمًا، وصاحبه اقتبسه من علمه. ذكر فيه أبو حيان، وأكثره من محفوظه، بعض ما وقع إليه من مفاوضات علماء مشهورين، كانوا في بغداد يختلفون إلى مجلس صديقه وأستاذه أبي سليمان المنطقي محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني، وعنه أكثر مروياته، فيتذاكرون في موضوعات شتى في الفلسفة أو ما وراء الطبيعة والآداب وأكثرها على طريقة السؤال والجواب، لرجال جمعت بينهم كلمة العلم والحكمة، وهذبت نفوسهم الآداب العالية، يتناجون بالأفكار الصحيحة والشاذة، ولم يفرق بينهم اختلاف نحلهم