تعريف صناعة، ولا استخراج آلة، ولا تعليم فلاحة، ولا تدبير حرب، ولا منازعة عن دين، ولا مناضلة عن نحلة، وجل ما فيها ذكر النور والظلمة، وتناكح الشياطين، وتسافد العفاريت. . . لا ترى فيها موعظة حسنة، ولا حديثًا مونقًا، ولا تدبير معاش، ولا سياسة عامة، ولا ترتيب خاصة، فأي كتاب أجهل، وأي تدبير أفسد من كتاب يوجب على الناس الإطاعة والتخرج بالديانة على جهة الاستبصار والمحبة، وليس فيه صلاح معاش، ولا تصحيح دين، والناس لا يحبون إلا دينًا أو دنيا. . . وكل دين يكون أظهر فسادًا احتاج من الترقيع والتمويه، ومن الاحتشاد له، والتغليظ فيه، إلى أكثر، وقد علمنا أن النصرانية أشد انتشارًا من اليهودية تعبدًا، فعلى حسب ذلك يكون تزيدهم في توكيده، واحتفالهم في إظهار تعليمه.
وقال فيهم وفيمن يحب مشاكلتهم: وربما سمع أحدهم ممن لا معرفة عنده ولا تحصيل له أن الزنادقة ظرفاء، وأنهم عقلاء وأدباء وأنهم عباد وأصحاب اجتهاد، وان لهم البصائر في دينهم، والبذل لمهجهم، وأن هناك علمًا وتمييزًا، وإنصافًا وتحصيلًا، فينزو نحوهم نزو المهر الأرن، ويحن إليهم حنين الواله العجول، ويتصبى فيهم صبابة العاشق المتيم، ويرى أنه متى اتهم بهم فقد قضي له بذلك كله، فلا يزال كذلك حتى يسهل في طباعه، ويرجع عنده أن يزعم أنه زنديق.
وقال في نعت الدهريين: فإن الذي ينفي الرب، ويحيل الأمر والنهي، وينكر جواز الرسالة، ويجعل الطينة قديمة، ويجحد الثواب والعقاب، ولا يعرف الحلال والحرام، ولا يقر بأن في جميع العالم برهانًا يدل على صانع ومصنوع، وخالق ومخلوق، ويجعل الفلك الذي لا يعرف نفسه من غيره، ولا يفصل بين الحديث والقديم، وبين المحسن والمسيء، ولا يستطيع الزيادة في حركته، ولا النقصان من دورانه، ولا معاقبة للسكون بالحركة، ولا الوقوف طرفة عين، ولا الانحراف عن