وأنى لك بمحام لم يقتنع ببراءة موكله أن يقنع المحكمة لتقضي له بالبراءة هذا القانون يسري على أفكارنا، فنحكم على كل أثر بالفكر الذي عرض للمؤلف، يوم أنشأ من بنات أفكاره. وهيهات أن نقول قولًا صحيحًا أبدًا في الحكم على كل شيء، ولو استظهرناه وتدارسناه، ولن يتطاول المرء إلى مكانة لا يستحقها، وباطل أن نحاول معرفة ما يقول الناس فينا، وباطل كل الباطل تخوفنا من أن لا نعرف. ومتى أيقن المرء أنه يحسن شيئًا، وأنه يبذ فيه غيره في باب الإحسان، فليثق أن جميله معترف به، وإحسانه مقدور قدره، في كل زمان ومكان. العالم مليء بالأحكام، وإلى أي مجلس اختلف المرء، وفي كل عمل حاوله، لا يكال إلا بقدره، ولا يعلم إلا بميسمه.
قد تقوم للدعوى قائمة، وهي تعجز عن الوفاء بعمل عظيم، وما كانت الدعوى يومًا خليقة بإتمام أمر يلابس عظمة حقيقية. فالدعوى لم تكتب الإلياذة، وبالدعوى لم يكسر كسرى، وبالدعوى لم يستجب الناس لرسالة المسيح، وبالدعوى لم يلغ الرقيق. الفضائل تقدر بأثرها، وعلى قدر الصلاح تكون الحرمة، والناس سواء في احترام الفضيلة. وأساتذة الإنسانية هم أصحاب طبقة الكرماء المخلصين، وأرباب الأفكار العالية، يفرضون عليها ما يريدون بثه، ويحاولون الدعوة إليه. وما ضاعت كلمة طيبة قط، وما سقط مجد ولا كرم، من دون أن يلتقطهما قلب ما كان له أن يتوقعهما، فيبارك عليهما ويقدسهما. وقيمة المرء ما يحسن، وما يحسنه منقوش على سيماه وينم عليه ظاهره، وما رزق من سعادة، ولن يفيده التواري، كما لا ينفعه التبجح والتنفج.
هل انطبقت هذه الصفحة في شروط الخلود على الجاحظ؟ وهل له بعد هذا أن يعد في الخالدين بما ألف وصف؟ نعم انطبقت عليه لاشتهاره يوم بدا للأبصار نبوغه، وكلمت له العظمة قبل أن يأتي عليه قرن أو قرنان وهذا مستغرب في عصر ليس