سلطانهم؛ بل حالوا نزع تراث العباسيين من أيديهم.
وكثر قتل الخلفاء وخلعهم، فقتل المقتدر، وبويع للقاهر ثم خلع، وخلفه الراضي، واستخلف المتقي، ثم بويع للمستكفي وهو كأكثر من سلفه مغلوب على أمره. وهناك دول تقوم في الشام كدولة بني حمدان بعد الإخشيديين، ودولة الفاطميين تستولي على مصر، ويخلف للفاطميين في مكة والمدينة بدل الخليفة العباسين وتقتطع من تلك الدولة العظمى دول وممالك. وأصبح خليفة بني العباس أشبه بصاحب منصب ديني له القول ولغيره العمل، يملك الاسم، والجسم يستغله المستغلون من المتغلبين والمتوثبين، والبلاد تخرب والنفوس تهلك، حتى لقد خربت بغداد عند استيلاء البويهيين عليها وأخذوا بتجديدها ورمها لأول أمرهم، وكانت في القرنين الثاني والثالث أعمر مدينة في الأرض، وكان القرامطة خلاف ذلك القرن يعيثون في العراق ثم تعدوا إلى الشام، بعد أن عبثوا بمقدسات الأمة في الحجاز، وكذلك كان شأن غيرهم من الخوارج والنزع إلى الفتنة. أما الروم فكانوا يغادرون الشام القتال ويراوحونها، ودولة بني حمدان كفت البلاد عاديتهم، وغزاهم منصور بن نوح الساماني عام النفير في ألوف من أهل خراسان وما وراء النهر. وفي خلال هذا القرن انقرضت دول، ولا سيما السامانية والإخشيدية، وقام محمود بن سبكتكين رجل ذاك القرن فاستولى على خراسان، وامتدت فتوحه حتى فتح جزءًا مهما من بلاد الهند والشرق.
وفي هذه المملكة، بل المماليك التي كانت تتخبط في أقدارها، وتختلط أمورها بأيدي أخيارها وأشرارها، نشأت زمرة صالحة من العلماء والأدباء، بقوة التسلسل المنبعثة من عمل القرن الثالث. وقد تضعف السياسة في أمة، وتبقى قوتها المفكرة سائرة سيرها، وعلومها آخذة بالنظام الذي كان لها، كما قيل يفنى القميص وفيه ريح المندل، ولقد ساعد على هذه النهضة بعض أصحاب السلطان من هؤلاء