وما هو فارسي بالمعنى الذي نفهم به اليوم معنى هذه النسبة، ولا يبعد أن يكون ابن العميد أو أجداده عربا إقحاما، نشئوا في تلك الأرض فنسبوا إليها، وقد حدثنا التاريخ بأن مئات من علماء المسلمين وأبناء الأنصار والمهاجرين هاجروا إلى البلاد التي فتحت على أيدي العرب في الشرق والغرب فنسبوا إلى أوطانهم لا إلى آبائهم كما كانوا من قبل فضاعت بذلك أصولهم. وليس من المستحيل أن يكون غرام ابن العميد بالعرب والعربية موروثا وتأصل فيه بالدرس، وكم من غريب عن هذا اللسان خدمه خدمة أبنائه الأصليين. وقد قال أبو الريحان البيروني، وهو من خوارزم ومن أعظم علماء الإسلام: الهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتاب علم نقل إلى الفارسي كيف ذهب رونقه، وكسف باله، واسود وجهه، وزال الانتفاع به، إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسمار الليلية.
لم نعرف من أساتذة ابن العميد غير محمد بن علي بن سعيد المعروف بسمكة أو بابن سمكة القمي، وكان يعلم علم الأوائل وهو صاحب الأدب والحكمة والنجوم والترسل والإملاء، ولعله كان يذهب مذهب الاعتزال فلقن تلميذه مذهبه فأصبح مثله على مذهب أهل العدل والتوحيد، في إقليم يغلب التشيع على السواد الأعظم من أهله، وما منع ذلك ابن العميد أن يخدم ركن الدولة بن بويه، وكان شيعيا غالبا، ولا أن يتخرج به عضد الدولة بن بويه في إدارة الملك والدولة.
غلبت الحكمة على ابن العميد، وخللت شغاف قلبه، وكان أدبه غير أدب عصرييه، كان أدبا ممزوجا بعلوم عقلية، فيه شفوف نادر، وطبيعة مؤاتية، ونفس حساسة، تزن كل شئ بميزان النقد، حتى الألفاظ والقوافي والأوزان والأسجاع وحتى الكلام العادي. ونشأ ابن العميد نشأة أدبية وسياسية، عرف البلاد وأمزجة أهلها، وعرف ما يصلحهم ويرضيهم ويرعاهم. ذكر مسكويه أنه سمعه في كثير من خلواته