أبو حيان التوحيدي
عصره:
القرن الذي أولد التوحيدي، وشب فيه واكتمل وشاب، هو العصر العباسي الثالث، فسدت فيه عصيبة بني العباس، فلم تبق لهم كلمة مسموعة، ولا رأي جميع، ولا قوة نافذة، ولا كيان يرتجي معه البقاء. تغلغلت الأعاجم في جسم الدولة، وتسلطت على الأمور، وما دخل القرن الرابع حتى رأيت الأمور تلتوي، ودولة الخلافة تضؤل وتتراجع، وقد شمل الضعف معظم أوضاعها، وعاث سوس الفساد في ذاك الجسم العظيم، وتناثر عقد البلاد افسلامية، وانتقصت من أطرافها، والأهواء مشتة، والنفوس شعاع.
لم يكد ينسلخ الرابع الأول من هذا القرن حتى استولى ابن رائق على البصرة وواسط، واستأثر البريدي بالأهواز وأعمالها، وذهب أبناء بويه الديلم بفارس والري وأصفهان وطبرستان وجرجان وكرمان والجبل، وغدت خراسان وما وراء النهر بيد السامانية، والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في أيدي بني حمدان، وانتقلت مصر والشام إلى الإخشيدية، والبحرين واليمامة إلى القرمطي، والمغرب وإفريقية إلى القائم العلوي، والأندلس للناصر عبد الرحمن الأموي.
ولم يبق للخليفة العباسي غير بغداد وأعمالها، والحكم فيها لابن رائق، وليس للخليفة وزير، وإنما كان له كاتب يدبر إقطاعاته وإخراجاته القليلة. وكلما امتدت كلمة ملك أو أمير سطا على من يجاوره واستصفى مملكة صاحبه، فابن رائق بعد البصرة استولى على دمشق، والبريدي بعد خوزستان استولى على بغداد، وبنو بويه بعد بلاد الشرق استولوا على بغداد 367 وخطب لهم فيها مع الخليفة، وهكذا كانت مملكة بني العباس نهب أيدي الأتراك والديلم - والأتراك جيل من التتر معروف، والديلم سكان الجبال في فارس - وكلهم كانوا شاركوا العرب في