عصرييه مثل أبي بكر القومسي الفيلسوف الذي وصفة أبو حيان بأنه كان بحرًا عجابًا، وسراجًا وهاجًا، وكان قربن التوحيدي في الضر والفاقة ومقاساة الشدة، ومن الإضافة بمنزلة عظيمة، وهو الذي قال للتوحيد ذات يوم: ما ظننت أن الدنيا ونكدها تبلغ من إنسان ما بلغ مني: إن قصدت دجلة لاغتسل منها نضب ماؤها، وإن خرجت إلى القفار لأتيمم بالصعيد عاد صلدًا أملس.
التوحيدي لم توظف وظيفة ولا أجري عليه رزق، فمن أين كان يرتزق؟ لما ترامى إلى بغداد نبأ مكارم ابن العميد والصاحب بن عباد من وزراء آل بويه في الشرق، وكانا يفضلان على أعلام العلم في مدينة دار السلام ويبرانهم بهباتهما الحين بعد الآخر، ووصلت عطاياهما إلى شيخي التوحيدي أبي سليمان المنطقي وأبي سعيد السيرافي - سمت نفس أبي حيان إلى أن يقصد ذينك الوزيرين وانقطع إليهما، وقدم بين يدي نجواه مدحهما أولًا، إلا إنه لم ينل منهما رغيبته، وانقلب بعد مقام ثلاث سنين في دار الصاحب لم ينله منه درهم، ولا أعطاه راحلة ولا زادًا. أخفق في قصر الصاحبين مع أنهما كانا مع الوزير المهلبي من أكبر حماة الآداب، كما كان سيف الدولة بن حمدان في حلب، وربما كان التوحيدي استطال عليهما، وفيهما عزة السلطان وأبهة الفرس، فازدرياه فشق عليه الأمر، وهجاهما في كتاب أسماه مثالب الوزيرين أورد فيه حكايات في ثلبهما؛ ومنها ما عزاه إلى بعض من روى عنهم، وذكر وقائعه معهما، قال إنه فارق باب الصاحب سنة 370 وقد نال منه هذا الحرمان الذي قصده به، وأحفظه عليه، وجعله من جميع غاشيته فردًا. ومن جملة ما نفره من الصاحب أن هذا قدم إليه رسالة في ثلاثين مجلدة على أن ينسخها له فقال: نسخ مثله على العمر والبصر، والوراقة كانت موجودة ببغداد! فأخذ الصاحب في نفسه عليه.
وقد عرفنا شيئًا من أخلاق التوحيدي في هذا الكتاب، وربما أثار ما قاله فيه ثائرة