لا نعلم سنة مولد أبي جعفر، ولا نستطيع تقدير سنة يوم تولى الوزارة، وربما كان حوالي الأربعين. وقد حكمه المعتصم وبسط يده، فارتقى من ابن تاجر يعد الدوانيق، إلى أرقى رتب الخلافة يصرف الأمور كما يرى. ولما تولى الوزارة أشترط أن لا لبس القباء، وأن يلبس الدراعة، ويتقلد عليها سيفا بحمائل، فأجيب إلى ذلك لبس ما كان يحب أن يلبس وهو ابن تاجر يبيع من القصر بضاعته، ويدل بما ورث عن أبيه من عادات التجار أصحاب التربيح والتكسب والتدنيق. وكان يقول: قد صنع إلى الخليفة صنيعة تفرد بها: نقلي من ذل التجارة إلى عز الوزارة. وأحرز ابن الزيات نعمة كما قال له أحدهم بحقها، واستوجبها بما فيه من أسبابها.
علمه وسياسته:
يقول إبراهيم بن المدبر الوزير: إن محمد بن عبد الملك من ألطف الناس ذهنًا، وأرقهم طبعًا، وأصدقهم حسًا، وأرشقهم قلمًا، وأملحهم إشارة، إذا قال أصاب، وإذا كتب أبلغ، وإذا شعر أحسن، وإذا اختصر أغنى عن الإطالة. وما زاد اليعقوبي والمسعودي - وهما المؤرخان القريبان من عهده - على أن وصفاه بالكتابة والبلاغة كما يوصف آحاد الكتاب لا كما يوصف من كان واحدًا في صناعته، ومفردًا في براعته. وقال فيه من لا غرض له إنه كان شاعرًا يطيل فيجيد، ويأتي بالقصار فيجيد، وكان بليغًا حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب، وكان يعد من علماء النحو واللغة، وهو فتى لم تعل به السن حتى أن أبا عثمان المازني، لما كان أصحابه وجلساؤه يخوضون بين يديه في النحو إذا اختلفوا فيما يقع فيه الشك يقول لهم أبو عثمان: ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب، يعني ابن الزيات، فاسألوه، واعرفوا جوابه، فيفعلون ويصدر جوابه بالصواب الذي يرتضيه أبو عثمان.
ولا جرم أن اشتغال ابن الزيات بسياسة الدولة أضاع من مكانته الأدبية، والناس