تمييزك، والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه، فإن اضطررت إليها فلا تهجم عليها حتى تعرف موقعها وتطالع موضعها، فإن وجدت النفس بالإجابة سمحة، وإلى الإسعاف هشة، فأظهر ما في نفسك غير محقق، ولا توهم أن في الرد عليك ما يوحشك، ولا في المنع ما يغيظك، وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن سامعه منك. أقول ما أقول غير واعظ ولا مرشد، فقد كمل الله خصالك وفضلك في ذلك كله، لكن أنبه تنبيه المشارك، وأعلم أن للذكرى موقعًا منك لطيفًا.
وكتب إليه أيضًا:
كتابي وأنا بحال لو لم ينغص منها الشوق إليك، ولم يرنق صفوفها النزاع نحوك، لعددتها من الأحوال الجميلة، وأعددت حظي منها في النعم الجليلة، فقد جمعت فيها بين سلامة عامة، ونعمة تامة، وحظيت منها في جسمي بصلاح، وفي سعيي بنجاح، لكن ما بقي أن يصفو لي عيش مع بعدي عنك، ويخلو ذرعي مع خلوي منك، ويسوغ لي مطعم ومشرب مع انفرادي دونك، وكيف أطمع في ذلك وأننت جزء من نفسي، وناظم لشمل أنسي، وقد حرمت رؤيتك، وعدمت مشاهدتك، وهل تسكن نفس ذات انقسام، وينفع أنس بيت بلا نظام، وقد قرأت كتابك - جعلني فداءك - فامتلأت سرورًا بملاحظة خطك، وتأمل تصرفك في لفظك، وما أقرضهما، فكل خصالك مقرظ عندي، وما أمدحهما، فكل أمرك ممدوح في ضميري وعقدي، وأرجو أن تكون حقيقة أمرك موافقة لتقديري فيك، فإن كان كذلك وإلا فقد غطى هواك وما ألقي علي قصي اه. قلنا وهذا من مسجوعاته وفيه من المبالغات الفارسية ما كاد يذهب ببهجته وجميل عاطفته. ولو صدر هذا الكتاب عن كاتب ممن سبقه كعمرو بن مسعدة، وسهل بن هارون، وأحمد بن يوسف الكاتب، وابن الزيات، والصولي، لجاء موضوعه في سطرين سهلين على السمع والطبع، مقبولين في العرف والعادة، لا غلو فيهما ولا إغراق.