وكال بالكيل الوافي لكل من يدعى هذه الدعوى من الخاصة والعامة، خلافًا لابن قتيبة الذي ادعى أن الشعوبية الذين عادوا العرب كانوا من السفلة والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى؛ فأما أشراف العجم وذوو الأخطار منهم، وأهل الديانة، فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف نسبًا ثابتًا.
أي أن هذه العداوة كان العامة يبطنونها ويظهرونها للعرب، والخاصة من الفرس براء منها. أما الجاحظ فأعقل من أن يغتر بالظواهر، ويدرك أن معظم النار من نستصغر الشرر. ويقول إن الفرس أصحاب تنفج وتزيد، ولا سيما في كل شيء مما في باب العصبية.
يفترض الجاحظ كل فرصة ليخدم الدعوة الهاشمية وينوه برجالها، فقد ذكر الكبر والمتكبرين في العرب، وانتهى به الكلام إلى مدح هاشم في هذا ألشن، على أسلوب تعتقد صحة كل ما روى، تأمل كلامه في هذا المعنى، ولعلك تشاطرنا الرأي في أن الجاحظ بالغ بالحط من خصوم العباسيين، ليخرج من ذلك إلى مدح من يريد تجميل صورتهم قال:
والمذكورون من الناس بالكبر ثم من قريش بنو مخزوم وبنو أمية، ومن العرب بنو جعفر بن كلاب وبنو زرارة بن عدس خاصة، فأما الأكاسرة من الفرس فكانوا لا يعدون الناس إلا عبيدًا، وأنفسهم إلا أربابًا، ولسنا نخبر إلا عن دهماء الناس وجمهورهم، وكيف كانوا من ملوك وسوقة، والكبر في الأجناس الذليلة من الناس ارسخ وأعم، ولكن الذل والقل مانعتان من ظهور كبره، فصار لا يعرف ذلك إلا أهل المعرفة كعبيدنا من السند وذمتنا من اليهود؛ والجاة أن كل قدر من السفلة والوضعاء والمحقرين أدنى قدرة، ظهر من كبره على من تحت قدرته، على مراتب القدرة ما لا خفاء به، فإن كان ذميًا وأحس بما له في صدور الناس تزيد في ذلك؛ واستظهرت به طبيعته، بما يظن أن فيه رقع ذلك الخرق، وحياص