التعصب للوزيرين، وأحبابهما كثار في الأمصار، فأعرض الناس عنه وأوقعوا فيه، واسقطوا من دواوينهم. وعجيب أن يغضب الناس لهضم حق المهجوين، ولا يغتاظون لحق الهاجين، وقلما يحفلون بالسبب الذي يلجئ هؤلاء إلى الهجاء أحيانًا. وقيل إن الصاحب بن عباداتهم التوحيدي بالزندقة ففر منه، وطلبه الوزير المهلبي ليقتله ففر إلى ديار بكر، وفي رواية أنه مات في الاستتار؛ ولكن التوحيدي إذا فاتته أفضال الوزيرين الصاحبين، فقد لقي إكرامًا من الوزير صمصام الدولة بن سعدان وعبد اللّه بن عارض الشيرازي، ولابن سعدان ألف كتاب الصديق والصداقة، وكتاب افمتاع والمؤانسة، وللدلجي بشيراز ألف كتاب المحاضرات. ولم نعلم السبب الذي عاق التوحيدي عن إهداء كتبه كلها إلى بعض عظماء عصره، وكانت طريقة إهداء المؤلفين مصنفاتهم لأمر أو عظيم من الشائع المعروف، وكثير من المؤلفين كان من أهم موارد عيشهم التصنيف بأسماء عظماء عصرهم، والارتزاق بعطاياهم وهداياهم.
قضت الفاقة على التوحيدي أن يتكفف بعض الأمراء، وكتابه إلى ابن العميد نموذج من هذا التنزل، ولكن العجز غالب لأنه مبذور في الطينة كما قال عن نفسه. وقال إنه تصفح الناس فوجدهم أحد رجلين: رجل إن نطق نطق عن غيظ ودمنه وإن سكت سكت عن ضعن وإحنة، ورجل إن بذل كدر بامتنانه بذله، وإن منع حسن بإقباله بخله. ولقد دعا، وقد ترقرقت عيناه بالدموع لما أخفق عند بعض من قصدهم، وبان له نبو الدهر بهن وضياع سعيه، وخيبه أمله، في كل ما ارتجاه لملم أو مهم، أو حادثة أو نائبة، دعا بما دعا به بعض النساك فقال: اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تذلها بالإقتار، فنسترزق أهل رزقك، ونسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من دونهم ولي الإعطاء، وبيدك خزائن الأرض والسماء.