المتقولون. وكان إلى هذا رجل نجده وأنفه وكرم أخلاق ومروءة ووفاء وحسن عشرة. وكان رب جد وعمل، لا يستند في أموره على الخيال؛ وجل اعتماده على عقله وتجاربه وتجارب من سلف من حكماء الأمم. كان محافظًا على شعائره، لا يحرم على نفسه الطيبات المحللة؛ فليس فيه جمود الفقهاء، ولا استهتار الأدباء، فهم من الدين ما فهمه منه كل عاقل.
وكان ابن المقفع من أرباب التفاؤل لا التشاؤم، لطيف الأخلاط، وادع النفس، ينظر إلى الأشياء من وجهها الحسن، ولا يفتأ يجملها بحسن ظنه، ويغالط نفسه في حقيقة السعادة، فينبعث إلى العمل مرحًا؛ يحب من الملوك عدلهم، وأن يعملوا في خشية الله وخشية الناس، ولا يهون عليهم صناعتهم ولا يصعبها، خصوصًا إذا اقترنت بقرناء الخير من الوزراء والعلماء. ومن كلامه: ثلاثة لا يستخف بهم: عامل السلطان، والعالم، والصديق؛ فإن من استخف بعامل السلطان ذهبت دنياه، ومن استخف بالعالم ذهبت أخراه، ومن استخف بالصديق ذهبت مروءة. وقال: خدمة السلطان بلا أدب خروج من السلامة إلى العطب، وقال: جانب المتظلم المسخوط عليه، والظنين عند السلطان؛ ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل، ولا تظهرن له عذرًا ولا تثنين عليه خيرًا، فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب مما سخط عليه فيه ما ترجو بأنه يلين له قلب الملك، ورأيت أن الملك قد استيقن بمباعدتك إياه وشدتك عليه، فاعمل إذًا في رضاه عنه برفق ولين.
وكان يعرف أدب الكبراء لأنه داخلهم ومازجهم، وكان على حذر منهم لا يغير بإقبالهم عليه، وهم في حاجة إلى علمه وأدبه. استشاره عبد الله ابن علي فيما كان بينه وبين المنصور، فأجابه: لست أقود جيشًا، ولا أتقلد حربًا، ولا أشير بسفك دم، وعثرة الحرب لا تقال، وغيري أولي بالمنشورة في هذا المكان.
بقي أن نشرح مصير ابن المقفع، ونصف ما أدى إلى مقاله: كان مقتله سياسيا،