فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 489

وبعد فإن من سعادة أبن العميد أن يطول عهده في الوزارة، ومن سعادته أن يكون على أخلاق فاضلة وسياسة ناجحة يستميل بها قلوب الدهماء والأدباء، ومن سعادته أن يرزق عقلًا ناقدًا، وبصيرة نافذة، وثقافة كاملة، ومن سعادته أن يظل وهو رأس الدولة على تنمية معارفه ومواهبة إلى الزمن الذي استأثر الله به في همدان، وهو في طريق القضاء على الناشزين على الملك.

كان أولئك زاد في وزنه. وهو في حقيقته أديب عظيم مجدود، لم تبطره النعمة، ولا أسكره تيه الإمارة وإقبال الدنيا، وكان له من تليد مجده وطريفه ما وقره في الصدور، ومن الفضائل ومكارم الأخلاق ما أمتعه بالصيت البعيد، فتمتع بما يتمتع به الملوك في سلطانهم، وشارك الأدباء في مجدهم الأدبي. ولو رحمت الأيام ثروة أدبية خلفها عظيم طالما رحم الناس؛ لكان الحكم عليه أفضح من هذا.

نموذجات من كتابته:

كتب ابن العبيد إلى أبي عبد الله الطبري لما استحضره عضد الدولة للمنادمة وفيه راموز من بعد نظره في سياسة الملوك قال: وقفت على ما وصفته من بر الأمير بك، وتوفره عليك، وليس العجب أن يتناهى مثله في الكرم إلى بعد غايته، وإنما العجب أن يقصر في شئ من مساعيه عن النيل المجد كله، وحيازة الفضل بأجمعه، وقد رجوت أن يكون ما يغرسه أجدر غرس بالزكاء، وأضمنه للريع والنماء، فارع ذلك واركب في الخدمة طريقة تبعدك عن الملال، وتوسطك في الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا تسترسل إلى حسن القبول كل الاسترسال. فلأن تدعى من بعيد مرات، خير من ان تقصى من قريب مرة. وليكن كلامك جوابًا تتحرز فيه من الخطل ومن الإسهاب، ولا تعجبك تأتي كلمة محمودة فيلج بك الإطناب توقعًا لمثلها، فربما هدمت ما بنته الأولى. وبضاعتك في الشرب مزجاة بالعقل يزم اللسان ويلزم السداد. فلا يستفزنك طرب الكلام على ما يفسد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت