روحها وجسمها. وإذا كنت ممن لا يتوقع من المصور أكثر من أن يصور لك ما يقع بصره عليه، فأدب الجاحظ يصور لك في حذق وتدقيق ما وقعت عليه عينه وقلبه وحسه. ولما كان من رقة الشعور إلى التي ليس بعدها، جاء كلامه شعورًا وعاطفة.
ينبعث البهاء في أدب الجاحظ من كون مادة الجمال فيه سيالة براقة ناصعة تنشر السرور في الروح. قالوا إذا أورثك الكلام ما يعلوا به فكرك، وما ينبه فيك حسًا شريفًا، فلا تبحثن بعدها عن شيء آخر لتحكم على ما قرأت، وكن على مثل اليقين أنه من الجيد الصالح، وأنه ما صدر إلا عن يد صناع، وقريحة وقادة. والجاحظ، فوق هذا، لم يتقيد كثيرًا بذوق عصره، وفي ذلك إبداعه في أدبه.
كان كما قال لانسون في وصف أحد كتاب الإفرنج يعيش كالأديب في العالم، ويكتب كما يكتب الأديب للعالم، ولا يرض عن نفسه إلا لأنه يرضي الناس، وقد قبل البشر بكل ما فيهم من صفات، ليزحزحهم عما هم فيه. فخاطب الإنسان للتأثير في الإنسان، ونظر إليه لا على أنه روح محضي، ولا على أنه عقل محض، نظر إليه على أن له جسمًا يضطهد الفكر ويحرفة وينفيه، فرأى من الواجب أن يخاطبه بما فيه، فخاطب فيه العقل والإرادة والذهن والإحساس، فبرزت فصوله تزهى بما خلع عليها من الجمال، والفكر الذي لا يتمثله الكاتب ينفر القارئ منه، لأن له من عزة نفسه ما يحب معه أن يخاطب بما ألف، وبما تتأثر به نفسه. وهذا ما كان مستجمعًا في أبي عثمان.
كتب بعد الدرس الطويل والخبرة الواسعة، وما عاني من الأبحاث إلا ما اضطلع به، وما قولك بعظيم يحيط بأكثر ما في صحيفة الوجود من المعارف، ويعرف ما في الأرض من تعاجيب، وما في السماء من غرائب، ووكده مصروف إلى إرضاء من يواصل السير معه، ويرافقه ويعاشره من قرائه. ومن لا يحتقر شيئًا