فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 489

أبيه قال: قال لي المعتز بالله: يا زيد ورد الخبر بموت الجاحظ، فقلت: لأمير المؤمنين طول البقاء ودوام العز. قال المعتز: لقد كنت أحب أن أشخصه إلي وأن يقيم عندي، فقلت له: إنه كان قبل موته عطلًا بالفالج.

أدبه:

يطالعك الجاحظ من بارع أدبه بالإبداع دونه كل إبداع، ويعلمك في سهولة ويسر لا يشق عليك، يدخل في نفسك مدخل صدق، ويستهويك وأنت لا تدري كيف أخذت. قد تقرأ لغيره كلامًا، وتعجب بما فيه من ديباجة حسنة أو معنى دقيق، أو تحقيق وإحاطة، أو فكر طريف، أو رأي نادر، أما أن يظم الكلام شتيت هذه الميزات، ويحمل كل ما يعن للخاطر من الصفات، فهذا مما لا يقع إلا على الندرة في كلام البلغاء، وهو من الأمور المعتادة في كلام أبي عثمان. أنت تتمثل فيما يلي الكاتبون شيئًا تستطيبه وتستحمله، وفي أدبه كل ما يطرب ويعجب. الكتاب في العادة يتطالبون إلى أن يكتبوا موضوعاتهم، والجاحظ يستميله موضوعه فيمليه، ولا يتكلف ولا يتعسف. ويصور لك خلجات الروح، وآهات النفس، وأزمات العقل، يرسم لكم المحسوسات كأنك تحسها، ويصف لك المعلوم والمجهول، ويعرض عليك المعقول والمنقول، ويفيض كل الفيض بما لم يكتب لغير أفراد في علماء هذه الأمة الطويل تاريخها، والكثير نبغاؤها، كأن الجاحظ بوق عصره ومصره، والآلة المحكمة التي أحسنت نقل أصوات أهل جيله. جيل المفاخر والمعاير، وحمل إلى أبناء القرون اللاحقة أفانين من أدبه جملها بروح السحر وسحر الجمال.

يقف القارئ بما ينقل إليه على صور رآها بعينه، فأحب إمتاع غيره برؤيتها، وإشراكه بحالات تأثرت بها نفسه، هو ممن ربط ماضي الأمة بمستقبلها، وديتها بدنياها، وتعمد لفرط أمانته أن يسمعها الحسن والقبيح، فطب بلطف عبقريته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت