وعلى قدر كبر الشيء تكون حكايتهم له واستماعهم إليه، وقد ترك هذا الجمهور الأكبر والسواد الأعظم التوقف عند الشبهة، والتثبت عند الحكومة جانبًا، وأعرضوا عنه صفحًا، فليس إلا لا أو نعم. إلا أن قولهم لا، موصول منهم بالغضب، وقولهم نعم، موصول منهم بالرضا، وقد عزل الحق جانبًا، ومات ذكر الحلال والحرام، ورفض ذكر القبيح والحسن.
وعلل التخريف في الناس، وفشو الجهل فيهم بقوله: الناس لم يؤتوا في اعتقادهم الخطأ المكشوف من جهة النظر، ولكن للناس تأس وعادات، وتقليد للآباء والكبراء، ويعملون على الهوى، حتى يصيروا في حال إلى القلوب، ويستثقلون التحصيل، ويهملون النظر، حتى يصيروا في حال متى عاودوه وأرادوه، نظروا بأبصار كليلة، وأذهان مدخولة، مع سوء عادة، والنفس لا تجيب إذا كانت مستكرهة، وكان يقال الطبع إذا كره عمى، ومتى عمى الطبع جسا وغلظ وأهمل، حتى يألف الجهل، ولم يكن يفهم ما عليه وله. فهو من هذا النظر يربأ بمن يحاول تعليمه عن تقليد من يرى تقليدهم، ويريده أبدًا على أن ينظر بعقله، ويستثبت الأخبار، ولا يستمع لنقلة الغرائب منها، وأن يستند أبدًا على التجربة والملاحظة، وأن يرى الأمور مع عللها وبرهاناتها، يريده على أن يلاحظ ويتدبر ويحس، ويكون في حسه صادقًا حازمًا، لا يمتهن شيئًا في عالم الكون والفساد، يهتم للذرة كما يهتم للدُّرة ويقول: أوصيك أيها القارئ المتفهم، وأيها المستمع المنصت المتصفح، أن لا تحقر شيئًا أبدًا لصغر جثته، ولا تستصغر قدره لقلة ثمنه، ثم اعلم أن الجبل ليس بأدل على الله من الحصاة، ولا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدل على الله من بدن الإنسان، وأن صغير ذلك ودقيقه كعظيمه وجليله.
فكأن الفيلسوف ديكارت في القرن السابع عشر - وكان يقول بعدم التسليم بشيء إلا بعد فحصه بنور العقل وتحقق وجوده، وبرفض كل ما قام على الظن