عماله في الأمصار ويكتب كتابه في المسائل العادية. كان من بلغاء الكتاب ومصاقع الخطباء، ولما بويع بالخلافة دعا إليه كاتبًا فأملى كتابًا واحدًا من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة، فأملى أحسن إملاء وابلغه وأوجزه، ثم أمر بذلك الكتاب فنسخ إلى كل بلد. وكتب إلى عامله على المدينة، وقد سأله طراطيس: دقق القلم وأوجز الكتاب فإنه أسرع للفهم.
جرى بعض خلفاء الأمويين على نهج عمر بن عبد العزيز في الإيجاز وبعضهم على التطويل؛ وقيل إن الوليد أول من جود القراطيس، وجلل الخطوط، وفخم المكاتبات، وتبعه من بعده من الخلفاء إلا عمر بن عبد العزيز وزيد بن الوليد، فإنهما جريا في المكتبات على طريقة السلف، ثم جرى الأمر بعدهما على ما سنه الوليد بن عبد الملك، إلى أن صار الأمر إلى مروان بن محمد فعمدوا إلى الإطناب. ولنا أن نقول بعد هذا أن القرن الأول كان قرن الإيجاز والفطرة؛ والقرن الثاني قرن التطويل والإيجاز معًا؛ والناس يتخرجون في البيان تخريجًا، ويجود من أوتي طبعًا سليمًا، ولكل زمان ما يليق به من البيان كما قالوا.
الأعاجم والعربية:
كان أخوف ما يخافه العرب على اللغة سراية اللحن إليها، وما أهمهم ما دخل من التطويل على الرسائل والخطب، وما سرى من تغير طفيف إلى نسج الكلام، كالإكثار من السجع والازدواج. والغالب أن اللحن أخذ يشيع في الناس منذ عهد الرسول. فقد روي أنه سمع رجلًا يلحن في كلامه فقال: أرشدوا أخاكم فإنه ظل، ورووا أيضًا أن أحد ولاة عمر كتب إليه كتابًا لحن فيه، فكتب إليه عمر أن قنع كاتبك سوطًا. وعلة الامتناع من الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها.