فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 489

على ثلاثة خلفاء.

نشأته ووزارته:

هو أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن أبي حمزة، عرف بابن الزيات، لأن جده على ما قيل كان يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد، فغلب هذا التلقيب على بيته، وكان جده أبان من أهل قرية الدسكرة مقابل جبل من عمل بغداد. فهو عربي بأصوله، ولد ونشأ في بغداد، ولا يعرف شيء عن أوليته، ولا عمن أخذ العلم في صباه، وغاية ما أثر عنه أنه أولع بالأدب، وكان أبوه من مياسير تجار الكرخ، يحثه على التجارة وملازمتها، فيمتنع ويأبى إلا الكتابة وطلبها، ويخاطب الكتاب، ويلازم الدواوين، فقال له ذات يوم: واللّه ما أرى ما أنت ملازمه ينفعك وليضرنك، لأنك تدع عاجل المنفعة، وما أنت فيه مكفي، ولك ولأبيك فيه مال وجاه، وتطلب الآجل الذي لا تدري كيف تكون فيه. فقال: واللّه لتعلمن أينا ينتفع بما هو فيه، أأنا أم أنت، ثم شخص إلى الفضل بن سهل بفم الصلح، فامتدحه بقصيدة، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فعاد بها إلى أبيه فقال له أبوه: لا ألومك بعدها على ما أنت فيه، وكان من جملة أبيات تلك القصيدة:

إني شعرت فلم أمدح سواك ولم ... أعمل إلى غيرك الإدلاج والبكر

ما كان ذلك إلا أنني رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا

لم أمتدحك رجال المال أطلبه ... لكن لتلبسني التحجيل والغرر

فابن الزيات إذن من بيت اغتنى في التجارة، وسمت نفس محمد إلى العلا، فعد مفخرة أهله، لما وجد وجهته إلى الآداب، وسار في طريق سعادته بحسب ميله واستعداده، وسما به شوق إلى المجد فدخل حظيرته من أبوابه، واتخذ لنجاحه الأسباب فتعلم، ولابس أرباب الكتابة في أعظم دواوين الدولة في عهد المأمون، فرأى ولا شك كبار الكتاب كعمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف وسهل بن هارون؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت