الدار حريصًا، وله فيما بين ذلك مكرمًا. وقيل له من أدبك؟ قال: نفسي، إذا رأيت شيئًا أذمه من غيري اجتنبته.
وكان يقول أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتى من الخنزير والكلب والهرة؛ أخذت من الخنزير حرصه على ما يصلحه، وبكوره في حوائجه، ومن الكلب نصحه لأهله، وحسن محافظته على أوامر صاحبه؛ ومن الهرة لطف نغمتها، وحسن مسألتها، وانتهازها الفرصة في صيدها.
وروي أن عبد الحميد لقي لبن المقفع فقال له: بلغني عنك شئ أكرهه؛ فقال: لا أبالي، قال: ولِمَ؟ قال: لأنه إن باطلا لم تقبله، وإن كان حقا عفوت عنه.
وعلى هذا فابن المقفع عملي في حياته، وعملياته أكثر جرما من نظرياته، يحاول الاستمتاع فيبذله لمن يحتاج إليه، ويحرص على الصداقة، ويتجافى عن الحسد والرياء، ويتمتع بمباهج الحياة، ويرسل النفس على فطرتها بين إخوانه. قالوا إن والِبَة بن الحُبَاب، ومطيع بن إياس، ومنقذ بن عبد الرحمن الهلالي، وحفص بن أبي وردة، وابن المقفع، ويونس بن أبي فروة، وحماد عَجُرَد، وعلي بن الخليل، وحماد بن أبي ليلى الراوية، وابن الزبرقان، وعُمارة بن حمزة، ويزيد بن الفيض، وجميل بن محفوظ، وبشار المرعث، وأبان اللاحقي كانوا ندماء يجتمعون على الشراب وقول الشعر، ورلا يكادون يفترقون، ويهجو بعضهم بعضا هزلا وعمدا، وكلهم متهم بدينه.
هذه رواية صاحب الأغاني عن الجاحظ في اتهام أهل ذاك المجمع بدينهم؛ ولعل ذلك كان من ابن المقفع قبل أن ينتحل الإسلام، ونحن نشك كثيرا في روايات صاحب الأغاني، ذلك لأن كان مستهترا ويجب أن يصف بالاستهتار كل عظيم، ولو كان ممن ثبتت عفته وطهارته.
ولقد قرأنا كلام ابن المقفع وتدبرناه، فما رأينا له كلمة واحدة تشعر بزندقته،