وما أحمقهم إذ مالوا إليه، فقبحه اللّه من عالم، ما أعظم بليته، وأقل رعيته، وأسوء طعمته.
ووصفه للعالم المحسود وصفه لنفسه مع بعض حساد زمانه، ممن لم تدرك أنفسهم شأوه في علمه وفنه، ولذلك نراه عرف داءهم وعرف دواءهم، فكان الإعراض عنهم في حياته، ومداراة الشياطين منهم من جملة ما يعد في باب عقل الجاحظ. وقال: لو ملكت عقوبة الحاسد لم أعاقبه بأكثر مما عاقبه اللّه به، بإلزامه الهموم قبله، وتسليطها عليه، فزاده اللّه حسدًا، وأقامه عليه أبدًا وأبان عما ارتآه لمداواة داء الحاسد بقوله: فإذا أحسست رحمك اللّه، من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنه أعون الأشياء لك على مسالمته وحصن سرك منه تسلم من شذى شره، وعوائق ضره، وإياك والرغبة في مشاورته، فتمكن نفسك من سهام مشاررته.
ومتى رأيت حاسدًا يصوب لك رأيًا، وإن كنت مصيبًا، أو يرشدك إلى الصواب، وإن كنت مخطئًا، أو نصح لك في غيبيه عنك، وأقصر من عيبه لك؟ هو الكلب الكلب، والنمر الحرب، والسم القشب، والفحل القطم، والسيل العرم. إن ملك قتل وسبى، وإن ملك عصى وبغى؛ حياتك موتك وثبوره، وموتك عرسه وسروره؛ يصدق عليك كل شاهد زور، ويكذب فيك كل عدل مرضي؛ لا يحب من الناس إلا من يبغضك؛ ولا يبغض من الناس إلا من يحبك؛ عدوك بطانته، وصديقك علاوته. . . . أحسن ما تكون عنده حالًا، أقل ما يراك مالًا، وأكثر ما تكون عيالًا، وأعظم ما تكون ضلالًا؛ وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدًا، وأبعد ما تكون من الناس حمدًا؛ فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الأموات، ومخالطة الزمنى، والاكتنان بالجداران، ومص المصران، وأكل القردان، أهون من معاشرة مثله، والاتصال بحبله. . . وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا