فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 489

ذلك ذاكرًا لما عقد عليه أول كلامه، ويكون تصفحه لمصادره في وزن تصفحه لموارده، ويكون لفظه نونقًا، ولهول تلك المقامات معاودًا، ومدار الأمر على هذا إفهام كل قوم بقدر طاقتكم، والحمل عليهم على أقدر منازلهم. وقال: وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكأن الله عز وجل قد ألبسة من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفًا، واللفظ بليغا، وكان صاحبه صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه، منزهًا عن الاختلال، مصونًا عن التكلف، صنع في القلوب صنع الغيث في التربة الكريمة، ومتى كانت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت عن قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق، ومنحها من التأييد، ما لم يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، ولا تذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.

قال: ومتى شاكل أبقاك الله اللفظ معناه، وكان لذلك الحال وفقًا، ولذلك القدر لفقًا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف، كان قمنًا بحسن الموقع، وحقيقًا بانتفاع المستمع، وجديرًا أن يمنع جانبه من تأويل الطاعنين. ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور مأهولة. ومتى كان اللفظ أيضًا كريمًا في نفسه، متخيرًا من جنسه، وكان سليمًا من الفضول، بريئًا من التعقيد، حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت له الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض، ومن أعاره من معرفته نصيبًا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبًا حبب إليه المعاني، وأساس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع عن كد التكلف. وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم.

وقد يقع للجاحظ أن يكرر القضية الواحدة في عدة أماكن من كتبه ورسائله، يريد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت