فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 489

الواثق يحاسن العلويين ويحسن إليهم وإلى أهل الحرمين، حتى لم يبق منهم من يسأل الصدقة، ويشبه الواثق عمه المأمون في كثير من أخلاقه، وكان المعتصم قليل البضاعة من الأدب، وابنه على جانب عظيم منه. وفي أيام المعتصم كان الروم من جيوشه في أمر عظيم، على نحو ما كانوا في عهد أبيه الرشيد، وفي أيامه قوي أمر بابك ألخُرمي في أذربيجان، يريد أن يقيم ملة المجوس، فأخرب البلاد، وقتل عشرات الألوف من الجند والرعية، حتى قتل بعد أن أتعب الخلافة عشرين سنة.

وفي أيام المعتصم والواثق لم يقتطع شيء من جسم الدولة العباسية، وكان الأمويون في الأندلس يَعملون على توطيد أمرهم، وإنشاء حضاراتهم، وفي هذا العهد كان عبد الرحمن الثاني الأموي حامي الآداب والعلوم، ومن أعظم خلفاء بني أُمية في المغرب، وكان بنو الأغلب في أفريقية، يرضون الخليفة العباسي ببعض الخراج، ويدعون له على المنابر، ويصدرون في المائل الكبرى عن رأيه في الجملة، ويتولون استصفاء جزيرة صقلية، وكان ما وراء ذلك من بلاد الغرب الأقصى في أيدي الأدارسة العلويين يتخبطون ولا يستطيعون قيام مملكة قوية.

وظل العلم الديني والمدني سائرًا في طريقه التي أخذ بها في عهد الرشيد وابنه المأمون، ولكن بمعزل عن تنشيط المعتصم والواثق، وقلما كان هذان الخليفتان يشاركان أهل العلم، أو يعطفان عليهم العطف المطلوب، كفعل من كان قبلهما، وإذا لم يقع من هذين الخليفتين شيء يستحق أن يسمى تنشيطًا للآداب، فإنهما لم يعملا ما من شأنه أن يثبط العاملين عن عملهم، فكأن دورهما أول مرحلة إلى برزخ جديد، يقلب الأمة بين القوة والضعف. وبعد عهد المتوكل انتهت أيام العز في بني العباس، وفرح الجمهور لأول أمره بأنه أعاد السنة، وأبطل القول بخلق القرآن، وعندئذ بدأ اضطهاد الناس والحكام سرًا لجماعات المعتزلة بعد أن غلبوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت