فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 489

فيفحش خطؤه في المرة والمرتين والثلاث، ولا يبلغ الأمر به أن يقال له غبي وأبله ومنقوص وعلى ما في هذا الكلام من بحث نفسي لا نخليه من معاني التهكم والهزل، وعنده أن الكلام قد يكون في لفظ الجد ومعناه معنى الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه معنى الجد.

ومن نوادره أنه سمع يقول: رأيت جارية في سوق النخاسين ببغداد ينادي عليها، فدنوت منها وجعلت أقلبها، فقلت لها ما أسمك؟: قالت: مكة. قلت: الله أكبر قد قرب الحج، أتأذنين أن أقبل الحجر الأسود قالت: إليك عني، ألم تسمع الله يقول: (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) ؟

ومنها: سمع أبو بكر محمد بن إسحاق يقول: قال لي إبراهيم بن محمود ونحن ببغداد: ألا ندخل على عمرو بن بحر الجاحظ؟ فقلت: مالي وله. قال: إذا انصرفت إلى خراسان سألوك عنه، فلو دخلت عليه وسمعت كلامه. ثم لم يزل بي حتى دخلت عليه يومًا، فقدم إلينا طبقًا عليه رطب، فتناولت منه ثلاث رطبات وأمسكت، ومر فيه إبراهيم، فأشرت إليه أن يمسك، فرمقني الجاحظ، فقال لي: دعه يا فتى، فقد كان عندي في هذه الأيام بعض إخواني، فقدمت إليه الرطب فامتنع، فحلفت عليه فأبى إلا أن يبر قسمي بثلاثمائة رطبة.

وحدث الجاحظ قال: وقفت أنا وأبو حرب على قاص، فأردت الولع به. فقلت لمن حوله: إنه رجل صالح، لا يحب الشهرة فتفرقوا عنه، فتفرقوا، فقال لي: حسيبك الله! إذا لم ير الصياد طيرًا كيف يمد شبكته؟

وروى أن رجلًا من أهل السواد يتشيع، وكان ظريفًا، فقال ابن عم له: بلغني أنك تبغض عليًا، والله لئن فعلت لتردن عليه الحوض يوم القيامة ولا يسقيك. فقال: والحوض في يده يوم القيامة؟ فقال: نعم. فقال: وما لهذا الرجل الفاضل يقتل الناس في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالعطس؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت