متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
ولنا أن نستدل على غنى أحمد بن يوسف أنه أهدى إلى المأمون لما استكتبه لوزارته، واستخصه في يوم مهرجان هدية بألف ألف درهم وكتب إليه:
على العبد حق فهو لا شك فاعله ... وإن عظم المولى وجلت فضائله
ألم ترنا نُهدي إلى الله ما له ... وإن كان عنه ذا غنىً فهو قابله
ولو كان يهدي للمليك بقدره ... لقَصّر علّ البحر عنه وناله
ولكننا نُهدي إلى نجله ... وإن لك يكن في وسعنا ما يشاكله
كان إعجاب الخليفة بأحمد كثيرًا، وبذلك ندفع ما قاله صاحب غرس النعمة في كتاب الهفوات، ونقاه ياقوت عنه من أن المأمون كان سبب موت وزيره، والرواية أن المأمون كان إذا تبخر طُرح له العود والعنبر، فإذا تبخر أمر بإخراج الحمرة ووضعها تحت الرجل من جلسائه إكرامًا له، وحضر أحمد بن يوسف يومًا، وتبخر المأمون على عادته، ثم أمر بوضع الجمرة تحت أحمد ابن يوسف فقال: هاتوا ذا المردود، فقال المأمون: ألنا يقال هذا؟ ونحن نصل رجلًا واحدًا من خدمنا بستة آلاف ألف دينار، إنما قصدنا إكرامك، وأن أكون أنا وأنت قد أقسمنا بخورًا واحدًا، يحضر عنبر، فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة، في كل قطعة ثلاثة مثاقيل، وأمر أن تطرح قطعة في المجمر ويبخر بها أحمد، ويدخل رأسه في زيفه حتى ينفذ بخورها، وفعل به ذلك بقطعة ثانية وثالثة وهو يستغيث ويصيح، وانصرف إلى منزله وقد احترق دماغه واعتل ومات سنة 213 وقيل 214.
وهذه القصة منقوضة بالبداهة، ذلك أن أحمد بن يوسف يعرف مقام الخليفة، ولا يجرؤ أن يقول ما نسب إليه في حضرته ولا غيبه، والمأمون صاحب النفس العظيمة يعرف قدر الرجل، فلا يرى مهما كان ذنبه أن يهلكه بالعنبر في مجلسه، ولكن الرجل مات حتف أنفه. وربما وضع هذه القصة من أراد إسقاط المأمون،