أن فتنة اللسان والقلم، أشد من فتنة النساء، والحرص على المال، واستعاذ من التكلف لما لا يحسن، كما استعاذ باللّه من العجب بما يحسن، والعجب بما يكون منه والثقة بما عنده، ورجا أن يكون من المحسنين، وتعوذ من رسالة ظاهرها زهد وباطنها رغبة وقال: إن أسقط الكلام وأوغده، وأبعده من السعادة وأنكده، ما أظهر النزاهة واضمر الحرص، وتجلى للعيون بعين القناعة واستشنع ذلة الافتقار، وأقبح منه وأفحش أن يظن صاحبه أن معناه خفي وهو ظاهر، وتأويله بعيد الغور، وهو قريب القعر.
أخرج الجاحظ التأليف من طور الرواية، إلى طور جمع فيه إلى الرواية الدراية، ودعا إلى جميل الصدق، وبرد اليقين، مستمدًا من العقل، داعيًا إلى التفكير الصحيح، قائلًا: إن من شكر النعمة في معرفة مغاوي الناس ومراشدهم، ومضارهم ومنافعهم، ألا يحتمل ثقل مؤنتهم في تقويمهم، وأن يتوخى إرشادهم، وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم، فلن يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره؛ ويعرف أن الحق مر والجد صعب، ولا يصبر على مطالعة الكتب الطويلة إلا من تجرد للعلم وفهم معناه، وذاق من ثمرته، واستشعر قلبه من عزه، ونال سروره على حسب ما يورث الطول من الكد والكثرة من السآمة، وما أكثر من يقاد إلى حظه بالسواجير، وبالسوق العنيف، وبالإخافة الشديدة.
وترى أبا عثمان في كتبه ينقل عن أرقى الطبقات وأدناها، ومن العلماء من نقل عنهم فستر أسماءهم، وأشار إلى أنهم كانوا عظماء فقط ليعرف قارئه مبلغ الرواية المنقولة من الضعف والقوة، قال مرة: حدثني بعض أهل العلم ممن طال ثواؤة في أرض الجزيرة، وكان صاحب أخبار وتجربة، وكان كلفًا بحب التبيين، معترضًا للأمور يحب أن يفضي إلى حقائقها، وتثبيت أعيانها بعللها، وتمييز أجناسها، وتعرف مقادير قواها، وتصرف أعمالها، وتنقل حالاتها، كان يعرف للعلم قدره،