عرب، ونجد تاهرت وهي بلاد عجم، كلهم في القتال والنجدة سواء، وفي ثباب العزيمة والقوة والشدة متكافئين، فاستوت حالاتهم في النجدة مع اختلاف أنسابهم وبلدانهم، أفما في هذا دليل على أن الذي سوى بينهم هو التدين بالقتال؟ وهذا ضرب من كشف روح المتمذهبين بالمذاهب لا نعرفه لأحد ممن كتب في عصره في فلسفة الديانيين والأديان.
وقال في نار المجوس: ما زال الناس كافة، والأمم قاطبة، حتى جاء الله بالحق، مولعين بتعظيم النار، حتى ظن كثير من الناس لإفراطهم أنهم يعبدونها. ويزعم أهل الكتاب أن الرب أوصاهم بها فقال: لا تطفئوا النار من بيوتي، ولذلك لا تجد الكنائس والبيع وبيوت العبادات تخلو من نار أبدًا ليلًا ونهارًا. فأما المجوس فأنها لم ترض بمصابيح أهل الكتاب حتى اتخذت البيوت للنيران، وأقامت عليها السدنة، ووقفت عليها الغلات الكثيرة، وسجدت لها على جهة التعبد والمحبة، وإيجاب الشكار على النعمة، وقد ضرب المثل بنار المجوس من قومًا فلم يرعوا حق صحبته بهم وخدمته إياهم فقال:
عمري لقد جربتكم ... فوجدتكم نار المجوس
وذلك أنها لا تفرق بين من يعبدها ويسجدلها، وبين من يبرق فيها ويبول عليها، بل تعم الجميع بالإحراق إذا أمكنها.
وقال: لأمم كلها تضرب مثلًا بالعنقاء في الشيء الذي يسمع به ولا يرى كما قال أبو نواس:
وما خبزه إلا كعنقاء مغرب ... يصور في بسط الملوك لها مثل
يحدث عنها الناس من غير رؤية ... سوى صورة ما إن تمر ولا تحلو
وما أكثر من ينكر أن يكون في الدنيا حيوان يسمى كركند وعنقاء مغرب، وإن كانوا يرون في صورة العنقاء مصورة في بسط الملوك وحيطان قصورهم،