فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 489

هذا، اللهم إلا إذا كان في صباه، وقد عرف بنسكه وزهده، أجمع على ذلك العارفون به، لو لم تناقضه القطعة الوحيدة التي انتهت إلينا من شعره وهي في غزل رقيق، صدر عمن ابتسم للحياة والأيام، فأخذ ينظر إليها نظر المتفائل، على حين كانت أكثر نظرات التوحيدي متشائمة، هذا إذا لم يؤول له مؤول بأن هذا اللسان كان على لسان أهل الباطن، كما يفسر بعض المتصوفة كثيرًا من الغزل، فيدعون أنه في العزة الإلهية أو في المقامات المطهرة. أما أبيات التوحيدي فهذه:

يا صاحبي دعا الملامة واقصرا ... ترك الهوى ياصاحبي خساره

كم لمت قلبي كي يفيق فقال لي ... لحت يمين مالها كفاره

أنا لا أفيق ولا أفيق لحظة ... إن أنت لم تعشق فأنت حجاره

الحب أول ما يكون بنظرة ... وكذا الحريق بداؤه بشراره

يا من أحب ولا أسمي باسمها ... إياك أعني فاسمعي يا جاره

وقد أحرق أبو حيان كتبه في آخر عمره لقلة جدواها، وضنًا بها بزعمه على من لا يعرف قدرها بعد موته. وكتب إليه القاضي أبو سهل علي بن محمد يعذله على صنيعه، فكتب إليه أبو حيان يعتذر من ذلك. ومما قال له في الاعتذار: إن كان، أيدك الله، قد أنقب خفك ما سمعت، فقد أدمى أظلي ما فعلت، فليهن عليك ذلك، فما انبريت له، ولا اجترأت عليه، حتى استخرت الله عز وجل فيه أيامًا وليالي، وحتى أوحى إلي في المنام بما بعث راقد العزم، وأجد فاتر النية، وأحيا ميت الرأي، وحث على تنفيذ ما وقع في الروع، وتربع في الخاطر، وأنا أجود عليك الآن بالحجة في ذلك إن طالبت، أو العذر إن استوضحت، لتثق بي فيما كان مني، وتعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي. إن العلم، حاطك الله، يراد للعمل، كما أن العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرًا على العلم، كان العلم كلا على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلًا، وأورث ذلًا، وصار في رقبة صاحبه غلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت