لخوف الخائف ورجاء الراجي.
24 -وقال من نصائحه للملوك: رأس الحزم للملك معرفته بأصحابه، وإنزالهم منازلهم، واتهام بعضهم على بعض، فإنه إن وجد بعضهم إلى إهلاك بعض سبيلًا، أو إلى تهجين بلاء المبلين، وإحسان المحسنين، والتغطية على إساءة المسيئين، سارعوا إلى ذلك، واستحالوا محاسن أمور الملك، وهجنوا مخارج رأيه، ولم يبرح منهم حاسد قد أفسد ناصحًا، وكاذبًا قد اتهم أمينًا، ومحتال قد أعطب بريئًا، وليس ينبغي للملك أن يفسد أهل الثقة بغير أمر يعرفه، بل ينبغي في فضل حلمه، وبسطة علمه، الحيطة على رأيه فيهم، والمحاماة على حرمتهم وذمامهم، وألا يسرع إلى إفسادهم، ولا يغتفر مع ذلك في زلة إن زلها أحد منهم؛ ولم يزل جهال الناس يحسدون علماءهم، وجبناؤهم شجعانهم، ولئامهم كرماءهم، وفجارهم أبرارهم، وشرارهم خيارهم.
25 -وقال: السلطان لا يقرب الرجال على قرب آبائهم، ولا يباعدهم لبعدهم، ولكنه ينزلهم على قدر ما عند كل امرئ منهم فيما ينتفع به، وقد يكون الجرذ في البيت جارًا مجاورًا، فينفي إذا كان ضارًا مؤذيًا، ولما كانت في البازي منفعة وهو وحش، اقتني واتخذ.
وقال أيضًا فيما يتأدب به السلطان: عود نفسك الصبر على ما خالفك من رأي ذوي النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم وعذلهم، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل الفضل والمروءة والعقل في ستر، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه، أو يستخف به شانئ.
26 -إن كان سلطانك عند جدة دولة فرأيت أمرًا استقام بغير رأي، أو أعوانًا أجزوا بغير نيل، وعملًا أنجح بغير حزم، فلا يعرنك ذلك، ولا تستنيمن إليه، فإن الأمر الجديد مما يكون له مهابة في أنفس العوام، وحلاوة في قلوب قوم آخرين،