وبعد الذي رأينا من مبالغات الشعراء في كل عصر، ملنا إلى التوقف في الحكم على الرجال بالمدح أو بالقدح الذي قيل فيهم. شهدنا شعراء مدحوا رجالًا وهجوهم في آن واحد، فأي أقوالهم نصدق؟ هذا سيف الدولة بن حمدان قد خلع عليه المتنبي من الأماديح ثيابًا فضفاضة، فخلد ذكره في العالمين. ولو بحثنا في سيرة سيف الدولة ما زدنا في تعريفه على ما نصف به ملكًا جائرًا مستبدًا، يستحيل أكل أموال الناس بالباطل، ويخرب البلاد لينفق ما يسلب في أبهته، ويفرط في الإفضال على ما دحيه وبذخه. وإنا إذا تأملنا هجوه كافور الأخشيدي، بعد أن مدحه ورفعه، نسجل أنه ظلمه كثيرًا، فإن سيرته كانت أزكى من سيرة سيف الدولة، والملك به يصلح أكثر مما يصلح بابن حمدان وأمثال ابن حمدان من ظلمة الملوك والأمراء.
وهكذا يقال في أكثر ما نسجه الشعراء من أماديح العظماء والأمراء، فلما قصروا في العطاء تراجع الشعر وذهبت بهجته.
ولو هممنا بأخذ صورة للملوك والعظماء مما مدحهم به الشعراء لبعدنا عن حقيقتهم وسيرتهم بعدًا كثيرًا. وكذلك لو صدقنا كل ما هجا به الهاجون، لما رسمنا لمهجو صورة صحيحة. لأن الشعر قام في الأكثر على المديح والهجاء، وعلى المبالغة في كل منهما، وهناك الأهواء السياسية المذهبية والطوائل الجنسية. وكم من عالم وصمه خصومه بالكفر، وهو أقرب إلى جوهر الشرع من أكثر حاسديه ومخالفيه. وكم من إنسان عظيم ألبسه أهل مجتمعه ثوبًا باليًا من حكمه عليه، وما كان أولاهم أن يكسوه الخز والديباج. والغرض مرض وقل أن خلت منه نفس بشرية. هذا والشعر العربي على الغلو في نسيبه وتشبيبه وغزله ومديحه وهجائه يؤخذ على علاته، وقلما يسقط فيه على حقيقة إلا في الحكم والعبر، ومتى جعلناه عمدتنا في الترجمة للرجال نضل ضلالًا بعيدًا.