والصوفي إظهار النسك بين المسلمين إذا كان فسلا ببعض العمل تظرف واظهر تحريم المكاسب وعاد سائلًا، وجعل مسألته وسيلة إلى تعظيم الناس له. وإذا كان النصراني فسلًا نذلًا مبغضًا للعمل ترهب ولبس الصوف، لأنه واثق انه متى لبس وتزيا بذلك الزي وتحلى بذلك اللباس، وأظهر تلك السيماء أنه قد وجب على أهل اليسر والثروة منهم أن يعولوه ويكفوه، ثم لا يرضى بأن ربح الكفاية باطلًا حتى استطال بالمرتبة. فإذا رمى المتكلم المريب أهل البراءة ظن أنه قد حول ريبته إلى خصمه، وحول براءة خصمه إليه؛ وإذا صار كل واحد من هذه الأصناف إلى ما ذكرنا فقد بلغ الأمنية ووقف على النهاية، فاحذر أن تكون منهم.
وزاد في مكان آخر ذاكرًا الدواعي التي دعت الخصيان إلى التنسك، فقال: إن نسك الخصي غزو الروم لما أن كانوا هم الذين خصوه، وقال إن نسك المتكلم التسرع إلى إكفار أهل المعاصي، وإن يرمي الناس بالجبر أو بالتعطيل أو الزندقة، يريد أن يوهم أمورًا منها ذلك ليس إلا من تعظيمه للدين والإغراق فيه، ومنها أن يقال لو كان نطفًا أو مرتابًا أو مجتنحًا على بلية، لما رمى الناس ولرضي منهم بالسلامة، وما كان ليرميهم إلا للعز الذي في قلبه، ولو كان هناك من له الريبة شيء لقطعه ذلك عن التعرض لهم، أو التنبيه على ما عسى أن حركهم له أن يتحركوا، ولم نجد في المتكلمين أنطف ولا أكثر عيوبًا ممن يرمي خصومه بالكفر.
أرأيتم أبا عثمان يختم جملته الجميلة بقوله فاحذر أن تكون منهم يأتي بها بعد أن وصف النساك ووصف سخفهم ومضرتهم، وبعد أن ثلبهم وأسقطهم حذر منهم. أسمعتموه يقول: ولم نجد في المتكلمين أطف ولا أكثر عيوبًا ممن يرمي خصومه بالكفر والمتكلمون هنا رجال الدين: ولم لا يكره النساك ويدعو الناس إلى كراهتهم وهو الذي لا يقول بغير العمل في المجتمع البشري؟ ومن مذهبه أن الباري تعالى