في الترجمة والنقل، ولا يبعد كثيرًا عن محجة الصواب إذا حكمت بعد ذلك أن الجاحظ كان يترجم إلى لغته عن لغة أخرى في الأحايين. والأرجح أن هذه اللغة هي الفارسية. وفي ذلك إشارات في البيان والتبيين، وقد رأيناه يعجب من موسى بن سيار ببلاغته في اللغتين عند تفسيره القرآن للعرب و الفرس، وصعب أن يحكم هذا الحكم الصريح من لم يحسن اللغتين، ومن لم يكن جهبذًا في البلاغة وما يقتضي لأعلى طبقة منها من اللفظ الجزل المأنوس والسبك المتين.
جدله ونقده:
لا يرى الجاحظ، صاحب العقيدة الراسخة والإيمان الصحيح، طريق النجاة للناس، إلا إذا فهموا الإسلام على حقيقته كما فهمه هو، وكان أبدًا حربًا على من خالفوا الدين، وحربًا على الملحدين والكافرين. أنحى على الشيع التي انفصلت من الإسلام، وعبثت بشيء من فروعه، فرد على المشبهة وعلى الجهمية وعلى العثمانية وعلى الرافضة وغيرهم. وجادل اليهود والنصارى من أهل الكتاب بالتي هي أحسن. وأهم ما اهتم به الرد على الزنادقة والمانوية والمرتدين، والطعن على من حاولوا من أرباب النحل القديمة أن يعيدوا في ملتهم من امتلوا ملة الإسلام؛ مثل رده على من ألحد في كتاب اللّه، ورده الذي عنن له بصيرة غنام المرتد وغير ذلك.
كتب الجاحظ كل هذا، وبعض المتنطسين من الحشوية، أو المتنطعين في الدين والمتنمسين فيه. يعدونه مقصرًا ويطلقون ألسنتهم فيما كتب، وليس لهم ما يؤيد افتراءهم عليه غير دعواهم المجردة. وقاموا في عصره وبعده يكذبون عليه، ومنهم من بلغت به القحة أن يخرجه من الدين، ومنهم من بلغ به السخف أن يخرجه من الانسانية، ومن الغريب أن أولئك الغير على الإسلام لم تحدثهم أنفسهم أن يكتبوا فصلًا واحدًا في دفع أعدائه؛ وراحوا، ورأس مالهم الباطل، يعترضون