فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 489

المغرق المغمور، ومنهم من قد نال من الصواب ونال من الخطأ، ومنهم من يكون خطؤه مستورًا لكثرة صوابه، فما أحسن حاله ما لم يمتحن بالكشف، ولذلك احتاج العاقل في استحسان كتبه وشعره من التحفظ والتوقي، ومن إعادة النظر والتهمة، إلى أضعاف ما يحتاج إليه في سائر ذلك.

وانظر إليه بعد هذا يصور لك كاتبًا خلا بعلمه عند فقد خصومه، وأهل المنزلة من صناعته ويقول: صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه، فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة، لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع، فأراه السكون أن الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرك دمه فأشاع فيه الحرارة، فزاد في غضبه، فأراه الغضب أن الرأي هو الإكثار، وكذلك صاحب القلم، فما أكثر من يبتدئ، وهو يريد مقدار سطرين ويكتب عشرة.

بهذا تمت مزية الجاحظ من الصنعة مقرونة إلى موهبة الفطرة المفطور عليها: لا يطيل كلامه ولا يختزله، ولا يرسله حالًا، يسيل سيلًا، بل ينظر فيه إذا خلا بنفسه، فيحذف فضوله، وإذا أضاف إلى ذلك تخير العذب السائغ من الألفاظ للإفصاح عن المعاني الصريحة، كان في ذلك البلاغة وجماع الصنعة المعجزة. انظره مثلا في كلامه على الخصاء في الإنسان كيف يعبر في جملة قصيرة عن معان كثيرة دقيقة، ويقول في سهولة وتهكم: وكل خصاء في الدنيا فإنما أصله من قبل الروم، ومن العجيب أنهم نصارى، وهم يدعون من الرأفة والرحمة ورقة القلب والكبد، ما لا يدعيه أحد من جميع الأصناف فبهذا الإيجاز واللفظ المنتقى، صور المعنى الذي يريد لنقض دعوى النصارى التفرد بالرحمة والشفقة، وقال إنهم المنفردون بين الأمم في ارتكاب هذه الكبيرة.

وشرح هذه العادة في الرد على الروم بقوله: ومما يدل على قلة رحمتهم وفساد قلوبهم، أنهم أصحاب الخصاء من بين جميع الأمم، والخصاء أشد المثلة، وأعظم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت