وقد أرشدك من أفاء ضالتك، وصافاك من أحيا مودته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك، ما هذا الذي تسول لك نفسك، ويدوي قلبك، ويلتوي عليه رأيك، ويتخاوص دونه طرفة، ويستشري به ضغنك، ويتراد معه نفسك، وتكثر معه صعداؤك، ولا يفيض به لسانك، أعجمة بعد إفصاح، أتلبيس بعد إيضاح، أدين غير دين الله، أخلق غير خلق القرآن، أهدي غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أمثلي يمشي له الضراء ويدب له الخمر، أم مثلك يغص عليه الفضاء، أو يكسف في عينه القمر، ما هذه القعقعة بالشنان، وما هذه الوعوعة باللسان. . .
والآن قد بلغ الله بك وأرهص الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول ما تسمع، فارتقب زمانك، وقلص أردانك، ودع التجسس والتعسس، لمن لا يظلع إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا، فالأمر غض والنفوس فيها مض، وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم لجاجا، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا، والله لقد سألت رسول الله عن هذا الأمر فقال لي: يا أبا بكر هو لمن يرغب عنه، لا لمن يرغب فيه ويجاحش عليه، ولمن يتضاءل عنه، لا لمن يشمخ إليه، ولمن يقال هو لك لا لمن يقول هو لي، والله لقد شاورني رسول الله في الصهر فذكر فتيانًا من قريش، فقلت له: أين أنت من علي، فقال: إني لأكره لفاطمة ميعة شبابه، وحدة سنة. فقلت: متى كنفته يدك ورعته عينك، حفت لبركة، وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا لوجاء، فقلت ما قلت، وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت لك إذ ذاك خيرًا منك الآن لي، مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت لك إذ ذاك خيرًا منك الآن لي، ولئن كان عرض بك رسول الله فقد كنى عن غيرك، وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك، وإن يختلج في نفسك شيء فهلم فالحكم مرضي والصواب مسموع، والحق مطاع. . .